فرص الحل السياسي للأزمة الليبية في ضوء مبادرة مجلس الدولة

  • 30 أكتوبر 2019

تشهد الساحة الليبية تطورات مهمَّة، سواء على الصعيد الميداني أو السياسي؛ حيث تتواصل المعارك حول العاصمة طرابلس، بينما أعلن مجلس الدولة، الذي انبثق من اتفاق الصخيرات، مبادرة لحل سلمي في البلاد؛ فما مسار الأحداث؟ وهل ستنجح المبادرة الجديدة في إحداث اختراق في مسار الأزمة؟
تعيش ليبيا على وقع حالة من الفوضى، منذ إطاحة نظام معمر القذافي قبل ثماني سنوات تقريباً، وقد شهدت هذه السنوات نزاعات مسلحة بين مختلف الأطراف، وفي العديد من المناطق والجبهات، وكان آخر هذه الحلقات الهجوم المسلح الذي يقوم به الجيش الوطني بقيادة خليفة حفتر للسيطرة على طرابلس، مقر حكومة السراج، التي انبثقت من المجلس الرئاسي، وتتمتع باعتراف دولي، ولكن يتهمها حفتر بتبعيتها للميليشيات المسلحة، وبضعفها، وعدم قدرتها على حفظ الأمن والاستقرار في البلاد.
وبرغم كل الجهود التي بُذِلَت، سواء من قبل القوى الإقليمية، وخاصة جمهورية مصر العربية، أو الدولية، وخاصة من فرنسا، أو تلك التي تقوم بها الأمم المتحدة عبر مبعوثها إلى ليبيا، غسان سلامة؛ فلم يتحقق هناك أي انفراج يُذكَر؛ بل تعقدت الأزمة بسبب التدخلات الخارجية؛ حيث اتخذ الصراع بشكل أو بآخر حرباً بالوكالة؛ بينما تزايدت معاناة المدنيين، خاصة في مناطق الصراع.
وفي ظل الوضع القائم، وبعد مرور أكثر من نصف عام على الحملة العسكرية للسيطرة على طرابلس، يبدو واضحاً أن الحسم العسكري ليس أمراً سهلاً، بل يكاد يكون شبه مستحيل؛ وهذا ربما يكون السبب الذي دفع المجلس الأعلى للدولة الليبي إلى إعلان مبادرة جديدة لحل الأزمة. وتقوم هذه المبادرة على خمسة محاور من بينها «إنهاء المرحلة الانتقالية بالتشاور مع مجلس النواب، خلال شهرين، وتعديل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق». وبحسب المبادرة؛ فإن محور المعالجة الحكومية والمسار السياسي ينصّ على الذهاب إلى عملية انتخابية، وفق خطة زمنية واضحة تبدأ بوقف إطلاق النار، ويتم خلالها التئام مجلس النواب بحيث يتم إعداد وإقرار القوانين الخاصة بالانتخابات، وفقاً للاتفاق السياسي. وفيما يتعلق بالمحور الأمني؛ فالمبادرة تقترح «انسحاب قوات ترهونة إلى ما قبل 4 إبريل، والتزام قوات حكومة الوفاق بعدم دخول ترهونة تزامناً مع الوقف الفوري لإطلاق النار، وتراجع قوات حفتر إلى حيث جاءت». وذلك بالإضافة إلى اتخاذ إجراءات متبادَلة لتعزيز الثقة، من بينها «خلق آلية حوار مستمرة ومنظَّمة للمصالحة، وتشكيل لجان من أعيان المجتمع وقادته وحكمائه ونخبه لبث روح المصالحة، ووضع أساس للعدالة الانتقالية».
وبغضّ النظر عن التفاصيل؛ فإن السؤال المطروح يدور حول واقعية وإمكانية نجاح هذه المبادرة.
ويبدو واضحاً أن تطبيق مثل هذ المبادرة ليس أمراً سهلاً؛ وخاصة في ظل تعقيدات المشهد الليبي؛ حيث توجد سلطات متعددة؛ فالمبادرة، أولاً: وقبل كل شيء، لا تحظى بتوافق مبدئي، من قبل مختلف الأطراف؛ كما أنها جاءت من طرف يعد خصماً بالنسبة إلى الأطراف الأخرى، وخاصة خليفة حفتر الذي لا يعترف بشرعية مجلس الدولة، ولا بالحكومة التي انبثقت من المجلس الرئاسي.
وثانياً: تتجاوز بنود المبادرة الأسباب الحقيقية للصراع القائم؛ وتقدم مقترحات ربما غير واقعية؛ فمسألة الانتخابات مثلاً خلافية جداً، وحتى في حالة التوافق السياسي عليها بين الأطراف ليس من السهل تنفيذها؛ حيث يحتاج ذلك إلى استقرار للوضع الأمني. كما أن مسألة توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، أو استيعاب عناصر التشكيلات المسلحة في الأجهزة الأمنية والعسكرية وفق شروط ومواصفات محدَّدة أمر غير واقعي؛ فهناك معطيات على الأرض تتجاوز مسألة الشرعيات، ووجودها مرتبط بمطالب سياسية؛ وهذا كله يجعل من تطبيق هذه المبادرة أمراً مستحيلاً، أو على الأقل غير واقعي؛ لأنها لا تأخذ العديد من المعطيات على الأرض في الاعتبار.

Share