فرص استقرار أسعار النفط ما بعد السياسة النفطية المتشددة

  • 13 ديسمبر 2020

يعكس تحسن النفط التدريجي الذي استفاد من اجتماع «أوبك+» في ديسمبر الجاري، رغبة المنتجين الرئيسيين والتزامهم بالجهود الرامية إلى تحقيق التوازن والاستقرار في السوق النفطي العالمي، وهو ما أسهم في تحسن أسعار النفط في الأسواق العالمية بنحو 2 في المئة، واستمرار تنامي المؤشر الإيجابي لها للأسبوع الخامس على التوالي.

يتوقع الخبراء أن تتجه أسعار النفط نحو تحقيق مكاسب إضافية خلال الأسابيع المقبلة، مستفيدة من اتفاق المنتجين الكبار على تسوية تقوم على مواصلة مستويات الإنتاج والإمدادات لأسواق النفط بما يتلاءم والطلب العالمي المتضرر من تداعيات جائحة فيروس «كورونا» المستجد برغم بساطة مستويات التعديل على الإنتاج للأشهر المقبلة.

تنبغي الإشارة إلى أن اجتماع الأسبوع الأول من ديسمبر الجاري جاء بعد اجتماعات سابقة عقدتها مجموعة «أوبك+» منذ بداية العام الحالي، الذي لم يكن عامًا مثاليًّا لأسواق النفط، فالإنتاج والأسعار والإمدادات شهدت ضغوطًا استثنائية بسبب جائحة «كورونا» وتداعياتها على الاقتصاد وسوق النفط، إنتاجًا واستهلاكًا، بشكل يكاد يفوق القطاعات كافة، وهو ما استدعى من مجموعة «أوبك+» التحرك العاجل لمواجهة تدهور الأسعار لمستويات (سالبة) لم تعهدها الأسواق سابقًا، واقتضى اتفاق بداية العام بعد اجتماع ماراثوني لتخفيض الإنتاج بنحو 10 ملايين برميل يوميًّا (تمثل 10 في المئة من حجم الإمدادات العالمية) لشهري مايو ويونيو الماضيين، ليعقب ذلك تخفيض بنحو 8 ملايين برميل يوميًّا حتى ديسمبر 2020.

وجاء اجتماع «أوبك+» في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 2020 في أجواء أكثر تفاؤلًا، سواء على مستوى التحسن العام في مستويات الأسعار مقارنة ببداية الأزمة، أو في ظل التقدم لاكتشاف وتسويق لقاحات لمواجهة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). وبرغم الحوارات الشاقة قُبيل الاجتماع لتباين مواقف الدول الأعضاء، والتي كما يقول مراقبون إن موعد الاجتماع أُجِّل ليومين إضافيين عن موعده المحدد، فإن الاجتماع تمكّن في نهاية المطاف من مواءمة مواقف الدول الأعضاء والمشاركة ضمن رؤية متفق عليها للمرحلة المقبلة من الإنتاج والتسويق النفطي الذي من شأنه أن يحافظ على توافق المشاركين ضمن المجموعة، من دون مزيد من الانقسامات، وهذه نقطة مهمة لبقاء المجموعة، وكذلك البناء على التحسن الذي تشهده أسواق النفط وآفاق تحسنها مع اتساع دائرة نجاح اللقاحات ضد فيروس «كورونا» وبدء انحسار الجائحة وانطلاق موجة جديدة من تحسن أسعار النفط في الأسواق العالمية.

وعلى أرض الواقع اتفقت مجموعة «أوبك+» في اجتماع ديسمبر 2020 على زيادة يمكن وصفها بالمتواضعة لإنتاج النفط اعتبارًا من يناير من عام 2021 قدرها 500 ألف برميل يوميًّا. وتعني الزيادة أن المجموعة ستخفض الإنتاج 7.2 مليون برميل يوميًّا، وهو ما يعادل 7 في المئة من الطلب العالمي من الشهر المقبل، مقارنة بحجم التخفيضات التي كانت خلال الربع الأخير من عام 2020 والتي تبلغ نحو 7.7 مليون برميل يوميًّا.

قد تكون هناك مبررات مهمة خلف هذه الزيادة المتواضعة، سواء من جانب عدم التسرع وإعادة الضغط بكميات كبيرة قد تؤدي الى إعادة غرق السوق الذي لم يتعافَ بعد من حالة التراجع التي عاناها خلال الفترة الماضية، وعدم عودة الحياة الطبيعية إلى قطاع الاستهلاك الرئيسي للنفط، سواء للقطاعات الاقتصادية الرئيسية أو القطاعات والخدمات المساندة في ظل القيود على الحركة والتنقل والطيران بشكل عام في خضم موجة ثانية من فيروس «كورونا» تواجهها العديد من البلدان، وهذا يخالف التوقعات السابقة بأن تستمر مجموعة «أوبك+» بتمديد فترة التخفيضات القائمة حتى مارس من عام 2021، وهو ما كان مخططًا له في اجتماع مواجهة تداعيات أزمة «كورونا» وتدهور الأسعار في بداية العام الحالي.

هذا الاجتماع حتى وإن لم يجسر كل الفجوات بين المنتجين، إلا أنه خلق توافقًا على الاتجاه العام للمرحلة المقبلة، كونه فتح أفقًا جديدًا للانتقال من السياسة النفطية المتشددة في الإنتاج إلى مرحلة التعافي الجزئي ولكن بشكل مدروس، الأمر الذي سيحافظ على ضبط الكميات وتحسن الأسعار وإن لم يرفعها، إلا أنه سيقلل من تدهورها مجدَّدًا.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات