فرصة ضائعة على طريق المصالحة الفلسطينية

  • 9 فبراير 2010

أثارت زيارة القيادي في حركة "فتح"، نبيل شعث، لقطاع غزة، مؤخراً، ولقاؤه قادة حركة "حماس" التي تسيطر على القطاع، التفاؤل على المستويين العربي والفلسطيني تجاه مصير المصالحة الفلسطينية، خاصة بعد التصريحات الإيجابية التي صدرت في أثناء الزيارة. إلا أنه سرعان ما تبددت أجواء التفاؤل وعادت الأمور مرة أخرى إلى حالة التوتر والخلاف بين الطرفين، حيث ردّت حركة "حماس" على تصريحات الرئيس الفلسطيني، محمود عباس "أبو مازن"، التي اشترط فيها توقيع الحركة "الورقة المصرية للمصالحة" لالتقاء قادتها، محمّلة إياه المسؤولية عن تعثر المصالحة والإذعان لما سمّته "الفيتو" الأمريكي الرافض لها إلا بشروط "اللجنة الرباعية الدولية"، فيما قال قيادي في "فتح" هو صائب عريقات، إن زيارة شعث إلى غزة "لم تكن تسوّلاً للمصالحة".

لقد مثل ذهاب نبيل شعث إلى غزة اختراقاً مهماً في جدار الخلاف المستحكم بين "فتح" و"حماس"، وكان من المهم استثمار هذه الخطوة والبناء عليها، خاصة أنها كسرت الحاجز النفسي بين الجانبين، وأكّدت أن المصالحة ممكنة دائماً وأن رصيد الاتفاق ما زال قادراً على تحقيقها ودفع الأمور بشأنها إلى الأمام. الأمر المهم الذي كشفت عنه هذه الزيارة هو أن الشعب الفلسطيني متعطش لإنهاء صفحة الخلاف الذي طال وأنه يؤيد أي خطوة على طريق تحقيق هذا الهدف، وقد كان الترحيب الشعبي الكبير بها معبّراً عن هذا المعنى بوضوح. ولا شك في أن إجهاض الخطوة المهمة التي انطوت عليها الزيارة، يمثل خسارة سياسية فلسطينية في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون إلى التضامن والتكاتف في مواجهة مخططات إسرائيل وتهديداتها المستمرة التي لا تنقطع للمقدسات والأرض والبشر. وإذا كانت زيارة شعث لغزة قد مثلت مبادرة وطنية مهمّة من قبل حركة "فتح"، فإن التطورات اللاحقة لها كشفت عن أمرين مهمين: الأول، هو أن المصالحة تحتاج إلى إرادة مشتركة من قبل الأطراف جميعها لتحقيقها، كما تحتاج إلى تنازلات متبادلة وخطوات متقابلة كي ترى النور وتقوم على أسس قوية وصحيحة. الأمر الثاني، هو أنها، أي المصالحة، وإن كانت تتطلب كسر الجمود الذي يغلفها من خلال مبادرات غير عادية، فإنها تحتاج أيضاً، وبإلحاح أكثر، إلى المصارحة والمكاشفة التي تتجاوز الكلام العام حول الوحدة والأخوة والمصير المشترك، وإلى معالجة قضايا الخلاف الحقيقية وعدم التهرب منها مهما كانت درجة حساسيتها والتعقيد الذي تنطوي عليه، لأنه دون ذلك سوف يسقط أي اتفاق أو تفاهم بين "فتح" و"حماس" أمام أول اختبار يواجهه، ولن تجدي معه الكلمات والبيانات الحماسية من قاموس الخطاب السياسي اللفظي.

لقد طال أمد الخلاف بين "فتح" و"حماس"، وأصبح استمراره نزيفاً مستمراً من رصيد العمل الوطني الفلسطيني وصورة القضية على الساحتين، الإقليمية والعالمية، وفي ظل هذا الوضع فإن تحقيق المصالحة هو مسؤولية الأطراف جميعها في الأراضي الفلسطينية، وتتحمّل هذه الأطراف مسؤولية تأخيرها أو تعثرها أيضاً.

Share