عودة لا بد منها.. السعودية تعلن استئناف الأنشطة الاقتصادية

  • 23 يونيو 2020

يتفق متخصصون على أن إطالة أمد إجراءات احتواء وباء كورونا المستجد، وما رافقها من إغلاق للأنشطة الاقتصادية الحيوية، كان لها أثر بالغ في تراجع الإيرادات وتزايد عجز الموازنات العامة للدول، ومخاطر تتعلق بفقدان الوظائف وتراجع حجم النمو الوطني والعالمي على حدٍّ سواء.

المملكة العربية السعودية، صاحبة أكبر اقتصاد عربي، التي اتخذت إجراءات مشددة ودقيقة في سبيل احتواء جائحة كورونا، قررت مؤخراً رفع حظر التجول بدءاً من يوم الأحد الماضي، والسماح باستئناف جميع الأنشطة التجارية والاقتصادية، مع الاستمرار في تعليق العمرة والرحلات الدولية والدخول والخروج عبر الحدود البرية والبحرية. هذه القرارات تبدو الآن منطقية ومطلوبة إذا ما تم النظر إلى المسألة بعين اقتصادية تحصي الفوائد والأضرار؛ حيث تعرض الاقتصاد السعودي إلى تراجع من جرّاء توقف حركة الإنتاج والبيع، حاله حال باقي اقتصادات الدول، متأثراً بتداعيات جائحة (كوفيد- 19) وتراجع أسعار النفط العالمية.

العودة المحفوفة بالحذر والالتزام الكامل بالإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية، جاءت على إثر استشعار السلطات المختصة بالمملكة بمسؤوليتها عن حماية الأعمال من أي تداعيات إضافية نتيجة تعطل عجلة الاقتصاد لما يزيد على الثلاثة أشهر، من دون التنازل عن التلويح بإيقاع العقوبات على الأفراد والمنشآت المخالفة للقرارات والتعليمات المتعلقة بإجراءات الحد من انتشار الفيروس، وخاصة في ظل احتمالية بوجود موجة ثانية للجائحة ستجتاح العالم. إن عودة الحياة إلى طبيعتها في السعودية جاءت ضمن مراحل متسلسلة من مسيرة مواجهة فيروس كورونا؛ حيث اتخذت المملكة، ودول خليجية عدّة قرار تقليص قيود الإغلاق نظراً إلى أن دولاً عدّة، وخاصة في القارة الأوروبية، بدأت تدرك ضرورة تلافي حجم الخسائر الاقتصادية الناجمة عن قرارات حظر الأعمال والتنقلات للحدّ من انتشار الفيروس الذي يبدو بأن زواله لن يكون قريباً، معوّلة على إسهام الناس في محاربة كورونا عبر وعيهم والتزامهم بإجراءات الوقاية والسلامة.

وبالعودة إلى بعض التداعيات الاقتصادية التي خلّفها كورونا على الاقتصاد السعودي، أشار معهد التمويل الدولي إلى أن الناتج المحلي الحقيقي للسعودية، قد ينكمش 4%، وأن العجز سينمو إلى 13% خلال عام 2020. ووفقاً لاستطلاع رأي أجرته شركة «DRC» السعودية المتخصصة في أبحاث السوق وتحليل البيانات في مايو الماضي، فإن 86% من رواد الأعمال وصناديق الاستثمار عبروا عن قلقهم حيال تأثير الفيروس على الاقتصاد السعودي، كما أفاد 66% من أفراد العينة أن الاقتصاد السعودي سيتعافى خلال الربع الأول من 2021، فيما اتفق 28% منهم على تباطؤ الأعمال والمشاريع و41% على أن مبيعات المنشآت ستنخفض، وأشار 54% منهم إلى أنهم سيقومون بخفض النفقات، فيما 40% منهم يعتقدون أن القطاع في خطر.

كما أشار تقرير مؤسسة النقد العربي السعودي حول الاستقرار المالي لعام 2020، صدر في نهاية مايو الماضي، إلى إنه لا يمكن فصل الاقتصاد السعودي عن الأحداث الاقتصادية العالمية، حيث توقّع التقرير أن الأثر السلبي للجائحة على الاقتصاد العالمي سيطال اقتصاد المملكة، واصفاً الوضع المالي الكلي فيها بالمستقر، إذ لم يزل «الاحتياطي العام للحكومة في مستوى عالٍ»، وما زالت نسبة الدين إلى الناتج المحلي متدنية مقارنة بدول مجموعة العشرين الأخرى، ما يعكس وجود حيز مالي مستدام واحتياطيات مرتفعة، وإجراءات مالية واحترازية، يسمح لها بالحصول على تمويل إضافي للميزانية، ويخفف المخاطر الاقتصادية الناشئة عن الجائحة.

إن التحديات التي ألقاها «كورونا» في وجه الاقتصاد العالمي بالمجمل، والاقتصادات الوطنية للدول، وضعت صانع القرار السعودي أمام تحديات تتعلق بمدى استمرار قيود التباعد الاجتماعي، وأمد الحزم التحفيزية وإجراءات التقشف، التي ستسهم في التخفيف من تباطؤ الاقتصاد، لكنها ستؤثر على المدى المتوسط والبعيد في حجم النمو وستزيد من أعباء الإنفاق، وترفع من عجز الموازنة وقيمة الديْن العام وتقلل من حجم الإيرادات، الأمر الذي استوجب رفع إجراءات الحظر، والتوجه نحو دعم الاقتصاد من خلال إعادة التوازن لقطاعات الأعمال والتجارة، بعد فترة توقف شبه كاملة أثّرت في السياحة والمقاولات والأغذية والمطاعم وغيرها، وذلك بعودة حذرة تراعي التقيد بالضوابط والاشتراطات الصحية اللازمة.

Share