عودة طالبان في أفغانستان

د. كينيث كاتزمان: عودة طالبان في أفغانستان

  • 28 ديسمبر 2006

انتشرت منذ منتصف عام 2006 العديد من التحليلات والروايات الصحفية، التي تتحدث عن استعادة حركة طالبان نشاطها في أفغانستان، والأسلوب الذي تواجه به الحركة قوات حلف شمال الأطلنطي والولايات المتحدة، وسيطرتها أمنياً على أجزاء من البلاد، وعن مدى تحول أفغانستان سريعاً إلى الوضع الفوضوي والميؤوس منه الذي يشهده العراق حالياً. غير أن كل هذه التحليلات والروايات المتشائمة تبدو في الواقع مضللة ومخادعة وغير دقيقة.

صحيح أن حركة طالبان كانت أكثر نشاطاً في عام 2006 مقارنة بالسنوات السابقة، وصحيح أن الحركة قاتلت بضراوة وبتشكيلات ضخمة ضد قوات حلف شمال الأطلنطي (الناتو) والولايات المتحدة في جنوبي أفغانستان وشرقها، وصحيح أيضاً أن نشاط طالبان قد هز ثقة الشعب الأفغاني في حكومة "كرزاي"، وأدى إلى تراجع الإصلاح الاقتصادي في أقاليم عدة مثل قندهار وأوروزجان وهلمند التي يسودها نوع من التوتر، إلا أن الحركة لم تثبت أن لها ثقلاً سياسياً في أي من هذه الأقاليم، ولا في غيرها من الأقاليم الأخرى؛ حيث لم ترحب أي من القرى الأفغانية صراحة بطالبان، وهناك بعض الإفادات هنا وهناك بحدوث حالات هروب من قبل أفراد مليشيات الحركة. كما خسرت طالبان كثيراً من سمعتها نتيجة قيامها بشن الهجمات على المدارس وقتلها المدرسين وعدداً من الطلاب في مسعى منها للحؤول دون تعليم الإناث.

استعادة حركة طالبان نشاطها جاء نتيجة اعتقاد كل من حلف الناتو والولايات المتحدة الأمريكية في عام 2005 بأن الحرب في أفغانستان قد انتهت؛ حيث كانت الهجمات قد تراجعت وقلت في هذا الوقت، وساد نوع من الشعور بالرضا وسط المجتمع الدولي.، وبناء على ذلك لم يتم تقدير الحجم المطلوب بشكل كافٍ من القوات والقدرات العسكرية المطلوبة أثناء عملية نقل قيادة العمليات العسكرية في هذا البلد إلى حلف الناتو في شهر يوليو 2006، لاسيما في مناطق إعادة تجمع طالبان، ومن ثم عانت قوات الحلف من نقص واضح في قواتها في جنوب أفغانستان، الأمر الذي جعلها عرضة لهجمات طالبان، التي تمكنت بدورها من الاستفادة من هذا النقص الذي كانت تعاني منه قوات الحلف في المعدات العسكرية اللازمة لنشر القوات، وخصوصاً النقص النسبي في طائرات الهليكوبتر.

وفي أواخر عام 2006، بدأ حلف الناتو في تدارك هذا الخطأ وزيادة قواته في الجنوب، وشن تحت قيادة الجنرال البريطاني "ديفيد ريتشاردز" عدداً من الهجمات المضادة الناجحة التي أدت إلى تراجع طالبان وتقلص قدراتها. وفي 22 ديسمبر 2006 أعلنت القوات الأمريكية أن إحدى الغارات الجوية التي شنتها قتلت أحد كبار نواب زعيم طالبان الملا "عمر" وهو الملا "أختر محمد عثماني"، الذي يعد واحداً من أبرز قادة طالبان الذين قتلوا منذ الإطاحة بالحركة عن السلطة في أواخر عام 2001. وقد أدت الهجمات البرية التي تم شنها مؤخراً إلى زيادة تفاؤل الأفغان في الجنوب بشأن قدرة حلف الناتو على تولي المهام القتالية الصعبة، وقللت المخاوف التي تراود حكومة "كرزاي" بشأن عدم قدرة الحلف على تحقيق الاستقرار المنشود، وتراجع الكفاءة القتالية للتحالف الأجنبي في أفغانستان.

هذا التحول في القوة الدافعة لمواجهة التمرد الذي تقوده حركة طالبان يتطلب التعجيل بمساعي الإصلاح وجهود إعادة البناء، والتي تعد عنصراً جوهرياً لكسب تأييد الشعب الأفغاني، خاصة أن المناطق المحيطة بقندهار وهلمند أصبحت أكثر أمناً من منتصف عام 2006، وهو ما قد يساعد على استئناف ما توقف من مشروعات تطويرية في ظروف أكثر سلامة نسبياً، لاسيما أن الولايات المتحدة وحلفاءها في أفغانستان باتوا مقتنعين بأن بطء عمليات الإصلاح وإعادة الإعمار هو الذي ساهم في استعادة طالبان لنفوذها بعدما تسبب هذا البطء في خلق نوع من الاستياء في صفوف الشعب الأفغاني. وقد دفع ذلك مسؤولي الولايات المتحدة وحلفاءها إلى طلب تخصيص ميزانيات أكبر لمشروعات الإصلاح في أفغانستان لاستخدامها خصوصاً في بناء الطرق ومد شبكات الكهرباء لنحو 90% من الأفغان المحرومين من هذه الخدمة حالياً. ومن المرجح أن تؤيد الأغلبية الديمقراطية الجديدة في الكونجرس الأمريكي زيادة المساعدات الاقتصادية إلى أفغانستان من منطلق أنه ينبغي على الولايات المتحدة تكثيف جهودها لتحقيق الاستقرار في الدولة التي نشأت فيها هجمات الحادي عشر من سبتمبر، بدلاً من العراق الذي لم يكن مركزاً لنشاط تنظيم القاعدة قبل هجمات 11 سبتمبر.

وقد دفعت الصحوة التي شهدتها حركة طالبان في عام 2006، رغم قمعها جزئياً أواخر هذا العام، الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم دور باكستان في الأحداث الجارية في أفغانستان. فهل تمثل باكستان فعلاً جزءاً من المشكلة كما يؤكد الزعماء الأفغان بحكم أنها تؤوي وترفض القبض على أبرز زعماء طالبان الموجودين على أراضيها؟ أم أن الزعماء الأفغان يحاولون أن يعلقوا فشلهم على جهات أخرى من خلال إلقائهم اللوم على باكستان كما يؤكد الرئيس مشرف؟/n /n ربما تشكل باكستان فعلاً أحد العوامل التي ساهمت في زيادة هجمات طالبان عام 2006، ليس نتيجة تخطيط متعمد أو سوء نية من جانبها لزيادة الفوضى في أفغانستان، ولكن نتيجة عوامل أخرى ترتبط بعدم كفاءة أجهزتها الأمنية ونقص القدرات والعلاقات القبلية المتشابكة على الحدود بين البلدين، فالباشتون هم تقريباً أصحاب السلطة الفعلية الآن في أفغانستان، وليس لباكستان أي مصلحة في إحداث أي اضطراب في حكومة "كرزاي"، ولكن يتعين على "مشرف" أن يضع في حسبانه أن الولايات المتحدة لن تسمح بعودة نظام طالبان إلى السلطة مجدداً في أفغانستان، وهو لن يشجع على الأرجح أي توجه يلقى معارضة شديدة من واشنطن.

في وسع باكستان أن تبذل مزيداً من الجهود لمساعدة السياسة المناوئة لطالبان في أفغانستان، وأن تقدم مزيداً من الدعم والتعاون لكل من الولايات المتحدة وحلف الناتو، فمن الواضح أن لزعماء طالبان حضوراً في باكستان، بل إن بعضهم يجري مقابلات صريحة على قناة تلفزيون جيوا الباكستانية وفي وسائل الإعلام الأخرى. وهناك العديد من التقارير التي تفيد بوجود زعماء طالبان في مدن باكستانية مثل كويتا وغيرها، علماً بأن اتفاقية أكتوبر 2006 بين الحكومة الباكستانية وزعماء القبائل التي انسحبت بموجبها قوات باكستانية من شمال وزيرستان قد أتاحت بالفعل مزيداً من المجال لشخصيات من طالبان للعمل على طول الحدود مع أفغانستان. ومع ذلك ترتكز وجهة النظر الباكستانية على كثير من المبررات؛ إذ ترى أن ازدياد هجمات طالبان خلال عام 2006 يعود إلى عجز حكومة "كرزاي" وحلفائها الأجانب عن تشكيل قوة شرطية موثوق بها وغير فاسدة يكون في مقدورها إبعاد عناصر طالبان عن القرى الأفغانية.

هناك بعض الأفغان (رغم أنهم أقلية صغيرة) في الجنوب يتعايشون على الأقل مع الوجود الطالباني نتيجة فشل الحكومة الأفغانية في تقديم الخدمات الأساسية لهم مثل الكهرباء والمياه النظيفة، بينما نجد أن آخرين قد تم استقطابهم في فلك طالبان من خلال تجارة المخدرات التي تعد أفضل مصادر العيش في أفغانستان.

عموماً فإن ثمة ما يبرر التفاؤل إزاء مستقبل أفغانستان بعد الهزائم الميدانية الساحقة التي تلقتها حركة طالبان على أيدي قوات حلف الناتو والولايات المتحدة في أواخر 2006، بيد أن استمرار هذا التفاؤل يتطلب التعامل مع الوضع الأفغاني بشكل أكثر شمولية، وإرسال المزيد من القوات الأجنبية، وتقديم المساعدات اللازمة لإعادة البناء والتطوير ودعم جهود مكافحة المخدرات، وممارسة المزيد من الضغوط الأمريكية على باكستان للقبض على زعماء طالبان الموجودين على أراضيها، وبدون ذلك يصبح من المرجح أن يكون عام 2007 عاماً آخر من العنف على طريق إنقاذ أفغانستان.

Share