عودة القاعدة

د. كينيث كاتزمان:عودة القاعدة

  • 15 مايو 2007

منذ الإطاحة بحركة طالبان وتنظيم القاعدة في أفغانستان أواخر عام 2001 وحتى بداية العام الحالي (2007)، كان الاعتقاد السائد أن تنظيم القاعدة قد تشتت وبات عاجزاً عن القيام بتخطيط أو تنفيذ هجمات إرهابية بحجم تلك الهجمات التي نفذها في الحادي عشر من سبتمبر. كما ساد الاعتقاد أيضاً طوال السنوات الخمس الماضية بأن مصدر التهديدات الإرهابية الرئيسية أصبح يتركز في الحركات الإرهابية ذات الطابع المحلي والتي تنمو داخلياً وتتأثر بأفكار تنظيم القاعدة وبمبادئ أولئك الأشخاص المناصرين لهذا التنظيم، دون الارتباط بشكل مباشر بمن تبقى من قيادات القاعدة. وجاءت تفجيرات عامي 2004 و 2005 في مدريد ولندن على التوالي لتكرس من هذا الاعتقاد وتدعمه.

وارتباطاً بفكرة محلية التنظيمات الإرهابية، ظهر تهديد جهادي آخر في العراق، كان ينتظر الفرصة المناسبة التي أتاحتها له الأخطاء التي وقعت فيها الولايات المتحدة خلال إدارتها للأزمة العراقية وتعاملها مع عراق ما بعد "صدام". فقد تمكن الإسلاميون المناصرون للقاعدة من أخذ مواقعهم هناك بمساعدة وتحريض واضحين من العراقيين السنة المدفوعين بمشاعر الغضب والرغبة في الثأر من هيمنة الشيعة على النظام الجديد وسيطرتهم على مراكز السلطة بموجب عملية انتخابية ديمقراطية خططت لها الولايات المتحدة منذ البداية. لكن العلاقة أو الروابط بين تنظيم القاعدة في العراق وقيادات القاعدة الأم الموجودة في باكستان كانت دائماً ضعيفة، وكانت التقارير الأمريكية المختلفة تشير إلى وجود توترات كبيرة بين الزعيم السابق للقاعدة في العراق "أبو مصعب الزرقاوي" والرجل الثاني في تنظيم القاعدة الأم "أيمن الظواهري".

 وحتى اليوم لا يوجد أي دليل على أن قيادات القاعدة الأم المتبقية قد طورت تنظيماً يتسم بنفس التماسك والكفاءة التي كان عليها التنظيم قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. غير أنه خلال الأشهر القليلة الماضية كان هناك حجم متزايد من الإفادات يقول إن ثمة مؤشرات وتوجهات نحو تحقيق هذا الهدف، فيما تشير إفادات أخرى إلى وجود بضعة معسكرات لتدريب عناصر وقيادات القاعدة الجدد تم افتتاحها في باكستان بالقرب من الحدود الأفغانية. وحسب روايات ثالثة فإن "أسامة بن لادن" و"الظواهري"، قاما بتعيين مساعدين جدد في مستوى قيادات التنظيم العليا، معظمهم من أصول مصرية، الأمر الذي يشير إلى أن "الظواهري" (المصري الجنسية) أصبح يلعب دوراً عملياتياً رئيسياً في عملية إعادة هيكلة التنظيم وإدارته، ومن مؤشرات ذلك أيضاً تكرر ظهور "الظواهري" خلال السنوات القليلة الماضية في التسجيلات الصوتية وشرائط الفيديو التي يتم بثها عبر الفضائيات ومواقع الإنترنت بشكل أكثر من ذي قبل، والتي تحدث فيها عن الأحداث والوقائع التي حدثت قبيل ظهوره. ويلاحظ أنه في أحدث تسجيلات الفيديو التي نشرت في مايو/أيار 2007 تحدث "الظواهري" ومن ورائه بدت مجموعة من الكتب فوق أرفف، وهو ما يشير إلى أنه يتحرك في مناطق مستقرة ليست بالنائية، ربما في مدينة متوسطة أو كبيرة الحجم. وهذا دليل واضح على أنه مطمئن بدرجة كافية وواثق أن مكانه لن يكتشف وأنه على صلة بمناصريه وحلفائه بسهولة.

ولو ثبت ما يجري ملاحظته الآن من توجهات نحو إعادة تفعيل وتنشيط تنظيم القاعدة الأم، وإذا استمرت هذه التوجهات، فإنه من الممكن الزعم بأن قيادات هذا التنظيم سوف تعود مجدداً إلى قمة الأحداث وجدول الأعمال على مدى السنتين المتبقيتين من عمر إدارة "بوش". وإذا كان صحيحاً ما يثار حول قيام القاعدة بإعادة تجميع نفسها في باكستان، فإن هذا الأمر يشير إلى أن هناك تخطيطاً أكثر فعالية ونوايا لمهاجمة أهداف حيوية في أوروبا أو في الولايات المتحدة. ورغم ذلك فإن انتباه إدارة الرئيس "بوش" يظل مركزاً على الأزمة في العراق، الأمر الذي لا يترك سوى القليل من الاهتمام والتركيز على قيادات تنظيم القاعدة ونشاطاته، وهو ما يعزز بدوره من إمكانية نجاح هذا التنظيم في تنفيذ أحد مخططاته قبل أن تكتشف، وحتى إذا كانت هناك شكوكُ في وجود مثل هذه المخططات، فإن الإمكانيات قد لا تتوافر بالشكل اللازم لكبح مثل تلك الخطط وإفشالها في ظل التورط الأمريكي في العراق.

وثمة خيار قائم لمنع القاعدة من إعادة تنظيم نفسها والظهور بما يشكل تهديداً يناظر تهديد ما قبل الحادي عشر من سبتمبر، والذي بات مرجحاً بعد نجاح هذا التنظيم في  إعادة تمركزه، لاسيما في ظل غياب الضغط الحقيقي من الحكومة الباكستانية. صحيح أن قوات باكستانية قامت بتطويق المناطق القبلية وشنت بعض الغارات على المسلحين وأعضاء التنظيم المتواجدين هناك، ولكن من دون جدوى أو تأثير فعلي؛ حيث تشير جميع الدلائل إلى أن المقاتلين يزيدون من نفوذهم في هذه المناطق ويقومون بشكل فعال بحماية وإيواء مقاتلي القاعدة وطالبان. ولذلك فإن الخيار القائم لمنع قادة القاعدة من تنفيذ مخططات جديدة مؤثرة يجب أن يركز على تكثيف الضغوط الأمريكية على الرئيس الباكستاني "برويز مشرف"، لكي يستخدم قواته وعملاءه ضد قادة القاعدة، أو إقناعه بالسماح للولايات المتحدة بنشر مزيد من قواتها وعملائها بشكل مباشر في المناطق الحدودية التي يعتقد أن "بن لادن" و"الظواهري" مختبئان فيها.

وليس من المؤكد أن ينجح أي من هذين الخيارين، فقد أبدى الرئيس "مشرف" مقاومة ملحوظة لضغوط واشنطن، ومن المرجح أن يظل معارضاً لتلك الضغوط التي تحثه على استخدام المزيد من القوات الباكستانية لملاحقة قيادات تنظيم القاعدة على نحو أكثر شراسة، لأنه يخشى من أن يؤدي الإقدام على اتخاذ هذه الخطوة إلى قيام ثورة إسلامية ضد حكومته. وتكمن وجهة نظره في أن باكستان تسعى إلى  استعادة نفوذ شيوخ القبائل الذين لهم مصلحة في منع سيطرة المقاتلين على المنطقة، وأن هؤلاء الشيوخ هم الذين سيكونون مسؤولين عن طرد المقاتلين الأجانب. وهناك بعض الدلائل على نجاح هذه الاستراتييجية ظهرت في شهر أبريل/نيسان 2007 حينما اشتبكت عناصر قبلية مع المقاتلين الأجانب وطردتهم من بعض المناطق، ومع ذلك فإنه لا توجد دلائل عامة على أن العناصر القبلية ستمارس الضغط على قيادة القاعدة لكي تغادر المنطقة، أو على أنها ستتعاون مع قوات الحكومة للوصول إلى قياديي القاعدة.

ولأسباب مشابهة من المرجح أن يعارض "برويز مشرف" كذلك أية مقترحات أمريكية تسمح بتدخل القوات الخاصة الأمريكية في مناطق القبائل بحثاً عن قادة القاعدة. وسوف يتذرع هنا بالتأكيد بحجة أن وجود الولايات المتحدة في هذه المناطق من شأنه إثارة القلاقل ضد ما يعتقد أنه "احتلال أمريكي"، وأنه حتى لو وافق هذه المبادرة، فإن السكان المحليين في تلك المناطق لن يتعاونوا مع قوات الولايات المتحدة. ويرى "مشرف" أن قيام الولايات المتحدة بالبحث عن قياديي القاعدة لن تشكل سوى خطر يتهدده هو شخصياً، ولن يسفر ذلك غالباً عن العثور على "بن لادن" و"الظواهري".

وحتى الآن تبدو الإدارة الأمريكية غير عازمة على استخدام أي من وسائل الضغط المتاحة لديها لدفع "مشرف" إلى تغيير موقفه من هذين الخيارين؛ فتقليص المساعدات الأمريكية إلى باكستان لا يبدو أمراً قيد النظر حالياً، وكذلك الحال فكرة تخفيض مستوى المشاركة والتعاون الدبلوماسي الأمريكي مع النظام الباكستاني. وربما تكون إدارة "بوش" قد استقرت على اللجوء إلى طريقة في التعامل مع النظام الباكستاني تتيح لمشرف أن يتحكم في الأسلوب الذي يتم به الضغط على قيادات القاعدة في باكستان وملاحقتهم، هذا إذا كانت هناك ضغوطٌ تمارس في الأصل. لكن وكما أظهرت السنوات الخمس الماضية، فإن تلك الطريقة تتسم بالبطء الشديد، رغم أنه تم اعتقال العديد من كبار ناشطي القاعدة من خلال العمليات الأمريكية-الباكستانية المشتركة. ومع ذلك فقد تباطأت مساعي العثور على "بن لادن" و"الظواهري" وأتباعهما المعينين حديثاً لدرجة أصبح من المرجح معها أن يكون تخطيط القاعدة لهجوم كبير آخر على الغرب أسبق من مساعي الولايات المتحدة وباكستان لإحباط مثل هذا الهجوم المتوقع.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات