عن المعترك اليمني

د. عبدالوهاب بدرخان: عن المعترك اليمني

  • 29 ديسمبر 2009

ثمّة ثلاثة أسئلة مطروحة في عواصم الخليج، وكلها تتمحور حول اشتباه واحد: من يدعم التمرد في صعدة؟ من يحرك "الحراك الجنوبي"؟ ومن وراء التمركز القوي لتنظيم القاعدة في اليمن؟

وعلى الرغم من توفر المعلومات، فإن الجهات المعنية، سواء كانت خليجية أو دولية، تفضل عدم اتهام إيران. أما البحث عن جهة أخرى ذات مصلحة وقدرة، بل ذات استراتيجية هادفة، فلا يعطي أي نتيجة يمكن الاعتماد عليها. إذ جرت الإشارة أحياناً إلى دول أخرى، مثل إريتريا وسواها، لكن هذه الدول قد توفر، بعلمها أو من دون علمها، ممرات أو تسهيلات، إلا أنها لا تملك مشاريع سياسية ضد اليمن. وقد تذهب الشبهات في اتجاه إسرائيل التي يمكن أن تعمل، بعلم الولايات المتحدة أو من دون علمها، غير أن خطورة الوضع في المنطقة لا تشجع الأمريكيين على التغاضي عن تحركات كهذه قد تحقق مصالح محدودة للحليف الإسرائيلي، إلا أنها تتسبب بأضرار فادحة ومباشرة لمصالح الولايات المتحدة نفسها.

خلال منتدى "حوار المنامة"، الذي عقد في منتصف ديسمبر/كانون الأول الحالي (2009)، تنافست الاتهامات مع نفي الاتهامات لإيران. وشارك الأمريكيون في إبقاء التساؤلات بلا إجابات واضحة، بل كانوا صريحين بالقول أن لا معلومات جدية عن تورط إيراني في اليمن. وبالتالي فإنهم لم يقدموا أي إشارة إلى أي تورط من طرف آخر. وهذا يفترض أن اليمن وحده متورط في اليمن.

قد لا يكون هذا الافتراض خاطئاً، لكنه بالتأكيد لا يعبر عن حقيقة الوضع. فلا شك في أن الحكم اليمني مُلام لأنه ترك المشكلات والأخطاء تعتمل إلى حد بات يهدد استقرار البلد ووحدة أراضيه، بل بات يشكل خطراً على الدول المجاورة، وبالأخص المملكة العربية السعودية. وإذا كان هذا الحكم اعتاد أن يعالج التوترات الداخلية بتسويات وتحالفات متقلبة حسب الظروف، فإنه قد يكون عجز هذه المرة عن الاستمرار في لعبة نجحت مرات ولم يعد مؤكداً أنها ستنجح كل الوقت.

أياً تكن المبررات لعدم التمكن من معالجة أمر التمرد في صعدة، فقد كان من واجب صنعاء أن تجد أي حل سياسي لا يوصل الوضع إلى حد لا يمكن الانتصار فيه للجيش إلا إذا نجح في إبادة الطرف الآخر. كان الحكم مطالباً بل مجبراً على استغلال الوقت منذ عام 2004 في استخدام كل الأساليب الحوارية لاجتراح حل هو في النهاية لمصلحة الاستقرار الداخلي، ولا بد أن يكون أفضل من زج الجيش وإنهاكه في حرب أهلية. وإذا كانت الحيلة أعيت هذا الحكم، فقد كان بالإمكان اللجوء إلى قنوات عربية كانت متوفرة، ولو فعل لكان أبقى الأمر تحت السيطرة، غير أنه فضل إبقاء البؤرة مفتوحة بانتظار من يتقدم لاستغلالها بذرائع مذهبية أو بأي حجج أخرى.

أما الوضع في الجنوب اليمني، فإن صنعاء تعرف عنه أكثر مما تعرف أي جهة أخرى. فالنقمة الشعبية ليست جديدة، وإنما اشتعلت غداة انتهاء حرب 1994 التي خيضت باسم توحيد البلد. ولا يفتقد الحكم اليمني إلى مؤيدين جنوبيين للوحدة، فهم كثر وموجودون في العاصمة وفي البرلمان والحكومة كما في المعارضة غير الانفصالية. لكنه لم يهتد إلى تفعيل هؤلاء في مواجهته لـ"الحراك"، كما لم يهتد إلى الطريقة الفضلى لإنهاء ذلك "الحراك" سواء كانت أمنية أو سياسية. ومنذ بدأت التوترات في أغسطس/آب الماضي، فإن كل ما فعلته السلطة ساهم في تصعيد "الحراك"، وفي مراكمة الأخطاء وإزكاء مشاعر الانفصال.

وأما تنظيم "القاعدة" فإنه لم يأت من فراغ، بل استند إلى بيئة وطدها الحكم بتقاربه وتحالفه مع الجماعات الدينية، المستندة إلى ارتباطات قبلية. ولم تشكل تداعيات أحداث 11 سبتمبر العالمية سوى صدمة مفاجئة لذلك النهج لدى الحكم، مما اضطره إلى تغيير وجهته أو محاولة تصويبها، بالتعاون أيضاً مع بعض الجماعات، لكن هذا لم يعفه من حتمية المواجهة مع "القاعدة" التي كانت قد تجذرت وبنت خطوط تحركها وبنية متشعبة لبقائها، ولم تعد تخشى أي مخاطر على مصيرها. وعلى الرغم من أن الحكم اليمني لن يعجز عن ضرب هذا التنظيم، فإنه مضطر لأن يأخذ في الاعتبار أن "القاعدة" لم تعد جماعة معزولة في أماكن معزولة، وإنما استطاعت أن تدخل النسيج الاجتماعي لبعض المناطق.

هذه هي عناوين التورط اليمني في اليمن، وكلها كانت معروفة وقابلة للمعالجة في الوقت المناسب، لو توفرت لدى الحكم الإرادة والحكمة ليحسمها قبل أن يجد نفسه أمام سرطانات منتشرة، بل مترابطة. والأكيد أن الحكم لم يسع إلى ربطها ببعضها بعضاً، إلا أن حاجة هذه الأطراف إلى تطوير عملها سوّغ لكل منها التحالف أو التعاون مع أي طرف يمكن أن يقدم لها مساندة ودعماً. هي، إذاَ، حالة تشرذم وتفكك كانت موجودة ولا تخطئها أي عين تنظر إليها بحثاً عن مصلحة ما في استغلالها. صحيح أن اليمن قد لا يكون مستهدفاً لذاته، إلا أن السعي إلى شحنه وتوتيره وربما إلى تفجيره لا بد أن ينعكس على الإقليم كافة.

في مراحل أخرى سابقة، كان يمكن الاشتباه بجهات عربية ذات مصلحة في أن يبقى اليمن مضطرباً ومنقسماً، إلا أن المعطيات الراهنة لا ترجح مثل هذا الاشتباه، إذ إن وجهة المخاطر تغيرت أو انقلبت. ومعلوم تاريخياً أن منطقة صعدة كما اليمن الجنوبي كانا موقع استخدام في صراعات إقليمية، بالأحرى عربية-خليجية. لكن الظروف تغيرت، كذلك المصالح، فالأكيد أن آخر ما كانت المملكة العربية السعودية تتمناه هو أن تجد نفسها في قتال مع الحوثيين الذين حصروا أهدافهم في التسلل لاصطياد جنود سعوديين بغية حث أطراف ثالثة على الدخول بينهم وبين الحكومة. والأكيد أيضاً أن السعودية ودول الخليج الأخرى التي دعمت اليمن الجنوبي في عام 1994 لم تعد لديها الأهداف التي تبرر تجريب ما جربته في السابق.

هناك أكثر من شبهات بالنسبة إلى التورط الإيراني في التمرد الحوثي، ولا شك في أن الدافع المذهبي ليس الأولوية، وإنما الدافع السياسي والاستراتيجي. وهناك أكثر من شبهة في وجود روابط بين "القاعدة" وإيران التي لا تزال تستضيف أو تحتجز أو تستخدم العديد من عناصرها الذين فروا من أفغانستان عام 2001، وانتقل بعضهم إلى العراق وبعضهم الآخر إلى اليمن والصومال. وهناك شبهات بدأت تحوم حول تحركات زعماء "الحراك الجنوبي" واتصالاتهم مع الأوساط المرتبطة بإيران. ثم إن هذه الفئات الثلاث تبدو متداخلة على الأرض في اليمن.

أما لماذا التكتم وتجنب اتهام إيران علناً؟ السبب أن المراجع المعنية تفضل أن تبقي التركيز حالياً على الملف النووي الإيراني، خصوصاً أن إيران تتصرف حالياً وكأنها تبحث عن أي تفجير إقليمي يمكن أن يخفف الضغط الدولي عليها ويكسبها وقتاً في تعاملها مع المفاوضات الدولية.

Share