على خلفية مؤتمر شرم الشيخ: هل عاد الملف العراقي إلى الحاضنة العربية؟

سامي علي بيومي: على خلفية مؤتمر شرم الشيخ ... هل عاد الملف العراقي إلى الحاضنة العربية؟

  • 16 مايو 2007

أطلق بعض المحللين على "مؤتمر شرم الشيخ" الذي عقد أوائل مايو الجاري "مؤتمر إنقاذ العراق"، بينما غمز آخرون من القناة الأمريكية حينما تساءلوا في عناوين مقالات أو افتتاحيات: "إنقاذ العراق أم إنقاذ أمريكا"، وبين هذا وذاك كان بعضهم يرى في هذا المؤتمر فرصة لاستعادة المرجعية العربية للأزمة العراقية، أو بمعنى آخر استعادة العرب زمام المبادرة في حلحلة الوضع المضطرب بالعراق، وعودة هذا الملف إلى الحاضنة السياسية العربية.

 وبعيداً عن مناقشة ما تحقق في "شرم الشيخ" مؤخراً من نتائج، بعضها يتعلق بالشق السياسي للأزمة العراقية وما يرتبط بذلك من إقرار "وثيقة العهد الدولي للعراق"، وإسقاط نحو 30 مليار دولار من ديون العراق للعديد من الدول، بينما يرتبط بعضها الآخر بالبحث عن حلول ومخارج واقعية للأزمة، وذلك عبر البحث عن صيغة توافق تجمع الأطراف المعنية، وتكرس التوجّه الأمريكي الخاص بالتراجع عن نهج الانفراد بإدارة الأزمة العراقية تحت وطأة ضغوط الكونجرس، الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، وأيضاً بفعل تشوش الرؤية الأمريكية، وتزايد اضطرابات الوضع بالعراق، فإن المؤتمر كان محور رهانات أخرى، مثل تلك المتعلقة بالمرجعية العربية للأزمة العراقية، ومدى إضافة رصيد تراكمي على هذا الصعيد.

 وعلى خلفية موروث من الشكوك والإحباطات، وغياب الفاعلية التي غلّفت الدور العربي في العراق، طيلة السنوات الأربع، التي تلت الغزو الأمريكي، جاء "مؤتمر شرم الشيخ" ليطلق التكهنات بأن هناك نشاطاً أو تنشيطاً للدور العربي في تسوية الأوضاع بالعراق، وما ضاعف من هذه التكهنات، أن إدارة الرئيس الأمريكي، "جورج بوش"، باتت في مواجهة ضغوط داخلية متنامية، من أجل وضع برنامج زمني لسحب القوات الأمريكية من العراق؛ وانطلاقاً من هذه الحقيقة فإن بعض الخبراء يرون أن المشهد السياسي الأمريكي الراهن، يغذّي بالتبعية المخاوف العربية الناجمة عن أي انسحاب أمريكي مفاجئ من العراق، بما يفتح المجال أمام تحقق الكثير من المخاوف ومصادر القلق، التي طالما أقضّت مضاجع دوائر صنع القرار في العالم العربي، سواء فيما يتعلق باندلاع صراعات طائفية عراقية-عراقية قابلة للتمدد جغرافياً، والانتقال عبر الحدود إلى بيئات مجاورة تمتلك عوامل استنساخ، لهذه الصراعات الطائفية لأسباب واعتبارات عدة، أو في ما يتعلق بانغماس العراق بشكل أكثر كثافة في الأنشطة الإرهابية، وتحوّله فعلياً إلى مركز تجمّع دولي للعناصر المتطرفة، بسبب توافر البيئة الفكرية والأمنية الحاضنة لأنشطة هذه العناصر، وما ينطوي عليه ذلك من توسع أنشطة هذه العناصر في استيراد وتصدير العمليات الإرهابية والتخطيط لها في دول الجوار، وهي مرحلة احتكاك وتفاعل تسبق، عملياً، تصفية جيوب الإرهاب في العراق، وبزوغ الظاهرة المقلقة المسمّاة بـ "العرب العائدون من العراق".

 تحليل نتائج "مؤتمر شرم الشيخ" من هذه الزاوية تحديداً، ربما يشير إلى أن "تعريب الأزمة"، إن صحّ التعبير، لم يكن له من نصيب سوى من خلال مكان الانعقاد ورمزيته، بمعنى أن المؤتمر لم يحقق بالفعل تقدماً ملموساً على صعيد استعادة المرجعية العربية في إدارة الأزمة العراقية، والبحث عن حلول لها، لأسباب واعتبارات عدة يمكن مناقشتها في ما يلي:

 1- هناك فرضية تقول إن استعادة الدور العربي في العراق نابعة بالأساس من توظيف المأزق الأمريكي الراهن، واستغلال الميل الأمريكي المفاجئ لإطلاق مبادرات وجهود جماعية على الصعيدين الإقليمي والدولي لتحقيق الاستقرار بالعراق، واستغلال هذا المأزق وذلك التوجّه لمصلحة تحقيق هدف عربي جماعي؛ ولكن الواقع والتجارب العربية السابقة في التعاطي مع أزمات المنطقة المتكررة، يشيران إلى صعوبة بلوغ العمل الجماعي العربي مستوى من التنسيق والتعاون يؤهله إلى استثمار المأزق الأمريكي، سواء بالنظر إلى الإخفاقات المتكررة للجامعة العربية كمؤسسة ممثلة للعمل العربي المشترك، في العراق، أو لأنه من الصعب بالأساس الحديث عن حاضنة عربية جماعية للأزمة العراقية، في ظل تباين وجهات النظر بين العرب أنفسهم بشأن سبل تسوية هذه الأزمة؛ وهو تباين ينعكس على مستويات شتى أولها الموقف من الانسحاب الأمريكي، فهناك أطراف عربية ترفض مطلقا أي انسحاب أمريكي غير مبرمج من العراق، وتحذر من الانسحاب المفاجئ، وهناك بالمقابل أطراف عربية تميل إلى الخيار القائل بأن الانسحاب هو بوابة الحل في العراق، وبالتالي يبدو من الصعب الحديث عن توافق عربي جماعي حول هذه الجزئية ناهيك عن غيرها، فضلاً عن أن حكومة "نوري المالكي"، ترفض مطلقا أي طروحات عربية بشأن وضع جدول زمني للانسحاب الأمريكي. وبموازاة ذلك هناك تباين عربي-عربي في الموقف من حكومة "المالكي"؛ فمصر -على سبيل المثال- التي استقبلت رئيس الوزراء العراقي في جولته العربية الثانية، تمتلك رؤية مغايرة للمملكة العربية السعودية، التي تحدث أكثر من تقرير غربي عن رفضها استقبال "المالكي" خلال جولته الأخيرة، كون الرياض تتحفّظ على أسلوب إدارة الحكومة العراقية الشيعية للوضع بالعراق، وتحديداً لأن المسؤولين السعوديين غير راضين عن بطء "المالكي" في تنفيذ الإصلاحات التي وعد بها، ومحبطون نتيجة فشله في التعاطي مع الأجندة السنّية، كما ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً.

 2- هناك العديد من الشواهد على وجود صراع أدوار أو تنافس عربي-عربي يدور من وراء كواليس الأزمات والقضايا التي تؤرق المنطقة، فبعض المصادر الغربية ترى أن مصر التي استضافت المؤتمر تحرص على تعزيز دورها في حل قضايا المنطقة، على خلفية الحديث الدائر عن تراجع نفوذها الإقليمي لمصلحة صعود متنامٍ للدور السعودي، وهذا الصراع أو التنافس العربي البيني ـ إن صحّ ـ يؤثر سلباً بالتأكيد بدرجة كبيرة في فاعلية الأداء الجماعي العربي، ولاسيما أن الأدوار العربية الفردية المأمولة في تحقيق استقرار العرب تبدو مرهونة بمطالب ذات صلة وثيقة بعلاقات كل من هذه الأطراف مع الجانب الأمريكي، بمعنى أن سورية – على سبيل المثال- لن تتعاون في العراق ما لم تقتنع واشنطن بوجود جدول زمني للانسحاب، وأيضا الحصول على مقابل ما، وأن أي خطوة سورية لإنقاذ ماء الوجه الأمريكي في العراق، تتطلب خطوة أمريكية مقابلة، إذ إن دمشق ترى – من وجهة نظرها على الأقل- أن الأوضاع الإقليمية تسير في مصلحتها، وأن الأحداث تثبت صحة موقفها ووجهة نظرها، ولذا فهي تسعى في حوارها مع واشنطن إلى عقد صفقة شاملة توظف فيها نفوذها ودورها كلاعب مفتاحي في ترتيب ملفات إقليمية مرتبكة،  مقابل تحركات أمريكية عملية لتفكيك المشكلات التي تؤرق الأمن القومي السوري، مثل العزلة التي تفرضها الولايات المتحدة على دمشق، والاعتراف بمصالحها في لبنان، والمضيّ في طريق تسوية سلمية تعيد (هضبة الجولان) إلى السيادة السورية. وهناك السعودية التي يرى بعض الخبراء أنها لن تقدم "خدمات مجانية" لإدارة "بوش"، مثل دعم حكومة "المالكي" الشيعية أو أي حكومة شيعية بديلة، ما لم تحصل على مقابل يعزز صعودها الإقليمي ويهدئ مخاوفها المتنامية بشأن النفوذ الإيراني في العراق. ويبدو أن القلق أو المخاوف السعودية مما يحدث على أرض العراق، قد انعكس في تحركات على الأرض رصدتها بعض المصادر الغربية مثل صحيفة "نيويورك بوست" التي ذكرت مؤخراً، أن هناك حرباً بالوكالة تدور على أرض العراق بين السعودية وإيران! أما مصر التي يتنامى حديث الأدبيات السياسية عن تراجع دورها الإقليمي لأسباب واعتبارات مختلفة، فتبدو أيضا قلقة من التمدد الاستراتيجي الإيراني إقليمياً، ولكن الملاحظ أن المشهد السياسي والأمني في العراق قد بلغ حداً من الارتباك والتعقيد، بحيث لم تعد دولة عربية واحدة، أيا كان نفوذها الإقليمي وطاقاتها الدبلوماسية، قادرة على تحريك الأوضاع في هذا الملف بمفردها.

 3- من المؤكد أن الدول العربية تدفع في الآونة الراهنة ثمن ترددها في الاضطلاع بدور حقيقي بالعراق، بداية من رفض إرسال قوات عربية، وليس انتهاءً بالإسهامات العربية الخجولة في إخراج العراق من كبوته، سياسياً وأمنياً، وفي المقابل، فإن من الصعب إلقاء مسؤولية غياب الدور العربي بكاملها على كاهل العرب؛ لأن هناك في المقابل تحفظاً عراقياً واضحاً من جانب كثير من التيارات والأحزاب السياسية العراقية على الموقف العربي، بحيث بات أي دور عربي في الشأن العراقي محاطاً بعلامات الاستفهام والشكوك من جانب هذا الطرف أو ذاك، نتيجة لخلافات عقائدية تغذت على طاولة تصريحات عربية شككت في ولاء شيعة العراق لبلادهم، أو نتيجة لأخطاء متراكمة ارتكبتها الدبلوماسية العربية، سواء بشكلها الجماعي أو على المستويات القطرية، قبل الغزو الأمريكي وبعده، يضاف إلى ذلك التدخلات العربية التي سعت لموازنة التدخل الإيراني بالعراق.

 الخلاصة أن نتائج "مؤتمر شرم الشيخ"، والحضور العربي المكثف خلاله، لا يمثلان شاهداً قوياً على استعادة العرب لدورهم في تسوية الأزمة العراقية، ولاسيما أن تسوية كهذه تتطلب طاقات دبلوماسية وبدائل وحلولاً وجهوداً تتجاوز ما هو متاح عربياً بحكم تأثر ما يحدث في العراق، واختلاطه بأدوار وطموحات ومصالح قوى إقليمية ودولية عديدة، وبالتالي فإن الحديث عن عودة العراق، كدولة مؤسسة للجامعة العربية وذات موروث تاريخي عريق في منظومة العمل العربي المشترك، لن يتحقق على أرض الواقع سوى عبر تصحيح أخطاء الدبلوماسية العربية الجماعية بالعراق، وإعادة النظر في دور الجامعة العربية بالتنسيق مع الأطراف العراقية كافة، مع ملاحظة أن الجامعة لم تقم حتى الآن بإيفاد رئيس لبعثة الجامعة بالعراق منذ استقالة مبعوثها، "مختار لماني"، الذي شخص كثيراً من أسباب غياب الدور العربي في العراق، بقوله عقب الاستقالة: "ما يحزنني هو أن الوجود العربي لم يكن على المستوى.. حتى إنني ذهبت إلى هناك دون أي إمكانات..القرار الذي ذهبت بموجبه للعراق ينص على الوجود الدبلوماسي العربي، وخلال سنة رأيت كثيراً من الدول عينت دبلوماسيين لكن طلب منهم الإقامة في عمّان، رغم أن لديهم إمكانات أمنية ومادية.. لم يكن هناك أي شيء في حقيقة الأمر يمكن تقديمه، وأصبحت مثل الراهب الذي يقدم النصح، لكن الأمر يحتاج إلى المشاركة في المفاوضات وهذا ليس بيدي بل بيد الدول، ولم يكن يلوح في الأفق أن تلك الدول ستلعب دوراً في التقريب بين العراقيين، ولدي قناعة أن هذا لن يحدث"، معتبراً أن الجامعة العربية تمتلك "النيات الطيبة" للتعامل مع العراق، وهذه وحدها لن تمكنها من عمل شيء، ومؤكداً أنه "لا توجد طريقة عربية للتعامل مع الوضع العراقي منذ 2003 حتى الآن، وأخشى أن يكون الوجود هناك لمجرد مجابهة طرف آخر"!!.

عودة ملف الأزمة العراقية إلى الحاضنة العربية لن تتم بقرار، ولن تتحقق من خلال التصريحات، وإنما بتنسيق الجهود الدبلوماسية وتنشيطها وتوفير الدعمين المادي والمعنوي، والتحدث بصوت عربي واحد، وفتح قنوات الاتصال مع الأطراف العراقية، وبالطبع مع الولايات المتحدة صاحبة الدور الأساسي في الأزمة، وأيضا مع القوى الإقليمية ذات التأثير في العراق، خصوصا تركيا وإيران من أجل التوصل إلى صيغ وحلول عملية قابلة للتحقق تضمن الحفاظ على استقرار العراق وتماسك ووحدة شعبه وأراضيه.

Share