علاقات إسرائيل وجنوب السودان: المصالح المشتركة وآفاق المستقبل

  • 9 يناير 2012

"بدونكم ما كنا لننجح في الصراع من أجل الاستقلال".. بهذه العبارة خاطب رئيس دولة جنوب السودان "سيلڤا كير ميارديت" مضيفيه الإسرائيليين، خلال زيارته إلى إسرائيل في العشرين من كانون الأول/ديسمبر الماضي (2011). وهي عبارة، حين تأتي من رأس هرم السلطة للدولة التي استقلت عن جمهورية السودان في التاسع من تموز/يوليو2011، فإنما تلخص إقراراً، رسمياً وعلنياً، بعمق العلاقات التي كانت قائمة بين إسرائيل ودولة جنوب السودان، قبل سنوات مديدة من تاريخ استقلالها.

وإذا كانت المعطيات المتراكمة ما قبل زيارة "سيلڤا كير" تشير إلى مدى قوة الروابط التي نُسجت بين الطرفين، فإن معرفة المستجدات الجارية منذ اعتراف إسرائيل بدولة جنوب السودان، ومواصلة مختلف صيغ التعاون بينهما، تشير إلى اتجاه هذه العلاقات نحو مزيد من التعاون، وربما التحالف، في المستقبل المنظور، لاسيما في ضوء وصف الإسرائيليين زيارة "سيلڤا كير" بأنها "لحظة مؤثرة وتاريخية"، وتصريح "سيلڤا كير" بأن "دولة جنوب السودان تعتبر دولة إسرائيل نموذجاً يُحتذى به ومثالاً للنجاح".

ويبيّن تحليل الجذور التاريخية لهذه العلاقة أن "الاستثمار الاستراتيجي" الإسرائيلي في دعم استقلال جنوب السودان كان مجدياً تماماً. وتتجسد هذه الحقيقة لدى مطالعة الأدبيات التي تناولت ذلك، وخاصة كتاب "إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان" للعميد في جهاز الموساد الإسرائيلي "موشى فرحى" (الصادر عن مركز دايان للدراسات الشرق أوسطية والإفريقية بجامعة تل أبيب عام 2003)، والرواية التي قدمها الجنرال السوداني الجنوبي، المؤسس الفعلي للحركة الشعبية والجيش الشعبي، "جوزيف لاقو" (في أحاديثه لوسائل إعلام إسرائيلية خلال العامين الماضيين) عن الدور الإسرائيلي في دعم استقلال الجنوب. فطبقاً لهذه الأدبيات تبنّت إسرائيل منذ عهد رئيس حكومتها الأول "دافيد بن غوريون" مبدأ "التحالف المحيطي" الذي يتضمن إقامة علاقات مع الدول والقوى المحيطة بالوطن العربي للحفاظ على مصالحها في المنطقة.

وقد كان الموقع الجيو-سياسي لمنطقة جنوب السودان ذا أهمية بالغة لإسرائيل، لكونها تقع في أعالي منابع نهر النيل، وبالتالي فإن إقامة علاقات قوية معها من شأنه أن يحقق مكاسب عديدة لإسرائيل، سياسياً واقتصادياً وأمنياً، لذا سارعت تل أبيب إلى الاعتراف بالدولة الجديدة بعد ساعات على قيامها، وأقامت معها علاقات دبلوماسية، كما نُظمت زيارة رسمية معلنة لوفد إسرائيلي، برئاسة "داني دانون" نائب رئيس الكنيست، إلى "جوبا" عاصمة دولة الجنوب، في أواخر آب/أغسطس2011، فتحت المجال أمام تنوع الاتصالات والزيارات بين الطرفين، على مستويات عدة، رسمية وشعبية. كما عيّنت وزارة الخارجية الإسرائيلية مسؤولاً في الوزارة لمتابعة ملف الدولة الوليدة.

وحسب التقارير الإسرائيلية التي تتناول الفترة الراهنة، تعدّ دولة جنوب السودان الأكثر وداً لإسرائيل في أفريقيا، وليس لدى الإسرائيليين أي سبب لإخفاء جنسيتهم هناك، وهم يُستقبلون فيها بترحاب، ليس فقط بسبب اعتقاد أبناء الجنوب أن الإسرائيليين ساهموا في تحقيق حلمهم بالاستقلال، بل أيضاً، وهو الأهم، بفعل شبكة المساعدات والأعمال والمصالح التي نسجها الإسرائيليون مع الجنوبيين.

ويشكل ملف اللاجئين الأفارقة ملفاً مؤرقاً لإسرائيل؛ حيث تشير بعض الإحصاءات المتوافرة أنه يوجد في إسرائيل نحو 8000 سوداني تسللوا خلال السنوات الماضية. وقد شغل هذا الملف حيزاً مهماً في مباحثات الجانبين خلال الزيارة؛ حيث اقترح رئيس الحكومة الإسرائيلية "بنيامين نتنياهو" على "سيلڤا كير" خلال لقائهما، إقامة معسكرات لإيواء جميع المتسللين الأفارقة الذين تعيدهم إسرائيل، وأن يتولى المدير السابق لمكتب وزارة الدفاع الإسرائيلية "فيكتور بارجيل" إدارة هذه المعسكرات والإشراف عليها.

ورغم أهمية ملف اللاجئين الأفارقة، فإن مصالح إسرائيل في دولة الجنوب لا تقتصر على ذلك وتتنوع على أكثر من مستوى؛ ففي المجال العسكري- الأمني، تُعنى إسرائيل بتنظيم وتعزيز القوات العسكرية والاستخبارية في جنوب السودان، لتوسيع سوق الأسلحة من جانب، وللحصول على معلومات دقيقة حول ما يجري في المنطقة من جانب آخر، ولا يخفى ما لهذا من أهمية لها، بسبب المسافات الواسعة التي تفصلها عن السودان.

وفي هذا الصدد، تعمل إسرائيل على إنشاء قاعدة جوية في منطقة "فلج" بجنوب السودان، بهدف تدريب الطيارين الحربيين الجنوبيين، لتؤكد بذلك على الأهمية القصوى التي توليها لهذه الدولة، التي أصبحت بالفعل جزءاً رئيسياً من الاستراتيجية الإسرائيلية نحو أفريقيا جنوب الصحراء. كما تعتزم إسرائيل بناء ثكنات لقوات الحدود ومستشفيات عسكرية، وإنشاء مركز بحوث للألغام في "جوبا". كما تسلّمت استخبارات "الجيش الشعبي" و"وحدة الأمن الرئاسي" في دولة جنوب السودان مؤخراً، أسلحة إسناد حربية وكمية من أسلحة المدفعية وعدداً من الراجمات وأجهزة للرصد والاستشعار الحراري مقدمة من إسرائيل. وقد وصلت الشحنة، طبقاً لتقارير صحفية نشرت مطلع يناير 2012، عبر الحدود الأوغندية إلى داخل "جوبا".

وارتباطاً بهذا البعد العسكري- الأمني، تحرص إسرائيل على تعزيز التعاون مع دولة جنوب السودان لمواجهة التهديدات المحتملة الموجهة لها من داخل القارة، وهناك تقديرات أنه بفضل المساعدة التي تلقتها من دولة جنوب السودان تمكنت إسرائيل من شن نحو أربع غارات، على الأقل، خلال السنوات الأربع الماضية، على قوافل سودانية زعمت إسرائيل أنها كانت تحمل أسلحة ومقاتلين إلى قطاع غزة.

وفي مجال الاقتصاد، ثمة ما يُغري إسرائيل بتعزيز علاقاتها مع دولة تضم أكثر من 8 ملايين نسمة، وذات احتياطيات نفطية مهمة (بالمرتبة 23 في العالم) كانت توفر نحو 90% من العملة الصعبة للسودان الموحد (سابقاً). وقد بيّن الإسرائيليون أن مجالات التعاون مع جنوب السودان ستشمل قطاعات الزراعة والغابات والنفط والتعدين والتكنولوجيا والطرق والجسور والكهرباء، وغيرها.

وذكرت تقارير صحفية حديثة أن مبعوثين إسرائيليين ناقشوا مع حكومة "جوبا" إنشاء خزان للطاقة الكهربائية في مدينة "نمولي" (خلال فترة وجيزة)، وشق قنوات للمياه. كما بدأ مستثمرون إسرائيليون بإنشاء محطة لتنقية المياه بين النيل الأزرق ودولة إثيوبيا على حدود جنوب السودان. وفي المستقبل المنظور، كمثال، يمكن للعديد من رجال الأعمال الإسرائيليين الذين يرسلون معامل النسيج وسواها إلى الصين أن يتوجهوا بدلاً من ذلك إلى جنوب السودان، خاصة أن الأجور هناك منخفضة جداً.

في المقابل تسعى دولة جنوب السودان إلى تحقيق العديد من المصالح والأهداف عبر توجهها نحو تعزيز العلاقات مع إسرائيل، فمن ناحية، يمكن التقدير بأن هذه الدولة الوليدة معنيّة بإقامة تحالف دولي، بمضامين استراتيجية، عسكرية وأمنية وسياسية، مع بعض القوى الإقليمية القوية بشكل يساعدها في مواجهة المخاطر التي يمكن أن تهددها، ولاسيما أنها تحاذي دولاً أفريقية لا تربطها بها علاقات ودية، وربما تنشأ نزاعات معها في المستقبل. ويبدو أن إسرائيل هي الدولة المفضلة لدى جنوب السودان لهذا الغرض لتكون دولة حليفة، لا سيما بفعل "ثقلها الدولي"، ممثلاً بعلاقاتها الوطيدة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وثانياً بفضل ما تملكه من خبرات وأسلحة حديثة.

ومن ناحية أخرى تهدف دولة الجنوب إلى الاستفادة من الخبرات الإسرائيلية في مجالات الزراعة والبحث العلمي من أجل تعزيز فرص النمو الاقتصادي لديها، خاصة أنها تعد من أكثر دول العالم فقراً، وتحتاج إلى الدعم والمساندة من دول العالم كافة لترسيخ أركان الدولة الوليدة.

خلاصة القول، إن زيارة رئيس دولة جنوب السودان إلى إسرائيل وما أسفرت عنه من نتائج تشير إلى أن مستقبل العلاقات بين الجانبين سيكون أكثر تعاوناً، وربما تصبح دولة جنوب السودان خلال وقت قصير قوة إقليمية فاعلة وحليفاً مهماً لإسرائيل والغرب. ورغم ما قد يثيره ذلك من تحفظات، فإنه يشير إلى ضرورة اتخاذ خطوات إيجابية من جانب الدول العربية لاحتضان الدولة الوليدة وتعزيز العلاقات معها لتكون قوة داعمة للعرب وقضاياهم وليس مصدراً إضافياً للتهديد.

Share