عراق ما بعد الانتخابات.. أي طريق؟

  • 30 مارس 2010

بعد قرابة ثلاثة أسابيع من الجدل والسجال بين القوى السياسية المختلفة بشأن مسيرة العملية الانتخابية ونزاهتها، أعلنت المفوضية العليا للانتخابات في العراق يوم 26 مارس 2010 النتائج الكاملة للانتخابات البرلمانية العراقية التي أجريت في السابع من هذا الشهر. وطبقاً لهذه النتائج، تمكنت 9 كتل وائتلافات سياسية من أصل 165 كياناً سياسياً و12 ائتلافاً من حصد مقاعد لها في البرلمان الجديد، جاء على رأسها ائتلاف "القائمة العراقية" الذي يتزعمه رئيس الوزراء العراقي السابق، إياد علاوي، والذي حصد 91 مقعداً متقدماً بفارق مقعدين فقط عن ائتلاف "دولة القانون" الذي يتزعمه رئيس الوزراء، نوري المالكي، والذي حصل على 89 مقعداً، فيما حل "الائتلاف الوطني العراقي"، الذي يتزعمه السيد عمار الحكيم زعيم المجلس الأعلى الإسلامي، ثالثاً بحصوله على 71 مقعداً، بينما حصل التحالف الكردي على 43 مقعداً.

وقد عكست هذه الانتخابات والنتائج التي أفرزتها العديد من المؤشرات والدلائل المهمة؛ أولها: الإقبال الواسع من قبل العراقيين على المشاركة في الانتخابات؛ حيث بلغت نسبة المشاركة نحو 62%، وهي نسبة أعلى من نسبة مشاركة الأمريكيين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي جرت عام 2008. وكان لافتاً في هذا السياق وجود مشاركة سنية واسعة في هذه الانتخابات، رغم وطأة قرارات "هيئة المساءلة والعدالة" التي استهدفت مرشحين من السنة في المقام الأول؛ حيث بلغت نسبة مشاركة السنة، بحسب بعض المصادر، نحو 75%، وهو ما اعتبره بعض المحللين مؤشراً إيجابياً يعكس رغبة أبناء هذه الطائفة بشكل خاص، والعراقيين بشكل عام، في إحداث التغيير السياسي المنشود من خلال صناديق الاقتراع وليس من خلال العنف.

ثانيها: تراجع تأثير التوجهات الدينية والمذهبية في اختيارات الناخبين لصالح الاعتبارات القومية والوطنية. فالعديد من القوائم التي شاركت في الانتخابات اختلطت فيها الانتماءات الطائفية، بل إن القوائم التي كانت أكثر تنوعاً في انتماءاتها العرقية والطائفية استطاعت أن تحقق نتائج أفضل من غيرها، وعلى رأس هذه القوائم "القائمة العراقية" التي ضمت قوى سنية وشيعية مختلفة، وجاءت في المركز الأول بفضل التأييد الواسع الذي حظيت به في أوساط السنة بالرغم من أن زعيمها الدكتور إياد علاوي، شيعي المذهب. غير أن هناك من يرى، على العكس، أن التصويت في الانتخابات تم على أسس طائفية وعرقية بالأساس، فائتلاف "دولة القانون" و"الائتلاف الوطني العراقي" الشيعيين حصدا أعلى الأصوات في المحافظات الشيعية في الجنوب والوسط، كما حصل الائتلاف الكردي على أعلى الأصوات في منطقة كردستان، أما تصويت المحافظات السنية لصالح قائمة علاوي فكان موجهاً بالدرجة الأولى للقوى السنية المتحالفة مع علاوي وليس لعلاوي نفسه، ما يعني، بحسب هؤلاء، استمرار تحكم الاعتبارات الطائفية والعرقية في خيارات الناخبين.

أما المؤشر الثالث فيتعلق بالسجال الدائر بين القوى السياسية المختلفة حول نزاهة العملية الانتخابية وشرعية نتائجها، والتي عكست في جانب منها عدم ترسخ الثقافة الديمقراطية في العراق. فمنذ انتهاء عمليات التصويت وبدء فرز الأصوات وإعلان النتائج الجزئية تباعاً عملت العديد من القوى السياسية على التشكيك في شرعية النتائج من خلال الحديث عن وجود عمليات تزوير وغياب المعايير والإجراءات الموحدة التي يتم على أساسها التصويت. وارتبطت عمليات التشكيك هذه بمواقف الأطراف المختلفة من النتائج التي كان يتم إعلانها أولاً بأول، فمتى تقدم طرف، فإن الطرف الآخر سرعان ما يطالب بفتح تحقيق وبإعادة الفرز مرة أخرى. وكان لافتاً هنا موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي استبق إعلان النتائج الكاملة للانتخابات بالمطالبة بإعادة فرز الأصوات يدوياً، وحذر من وقوع أعمال عنف إذا لم يتم تحقيق طلبه، وهو الأمر الذي رفضته مفوضية الانتخابات. ومع إعلان النتائج الكاملة التي أظهرت تقدم قائمة علاوي بفارق مقعدين عن قائمة المالكي، سارع الأخير إلى وصف هذه النتائج بأنها "غير نهائية"، معلناً رفضه لها بدعوى وجود عدد كبير من الخروقات والمخالفات التي شابت العملية الانتخابية، ومؤكداً أنه سيلجأ إلى القضاء للفصل في هذه الخروقات.

ولعل المؤشر الأهم الذي أبرزته نتائج هذه الانتخابات هو تقارب عدد المقاعد التي حصلت عليها الكتل الرئيسية، ولاسيما كتلتي علاوي والمالكي، الأمر الذي يعني أن عملية تشكيل الحكومة الجديدة لن تكون سهلة، وستتوقف على قدرة أي من الطرفين تشكيل ائتلاف واسع يؤمن له الأغلبية المطلوبة في البرلمان. وقد ثار خلاف دستوري حول من له الحق في تشكيل الحكومة في ضوء هذا التقارب في النتائج، ودار الخلاف بدرجة أساسية حول تعريف "الكتلة الكبرى" التي وردت في المادة 76 من الدستور العراقي الدائم، والتي تنص فقرتها الأولى على "أولاً: يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال خمسة عشر يوما من تاريخ انتخاب رئيس الجمهورية". فبينما تمسك إياد علاوي بحقه في تشكيل الحكومة باعتبار أن قائمته هي التي حصدت أكبر عدد من المقاعد، رأى المالكي أن العبرة بعدد مقاعد كل كتلة في البرلمان، بل إنه استبق إعلان النتائج النهائية بتقديم طلب للمحكمة الاتحادية العليا لتفسير نص المادة 76، وجاء رأي المحكمة مؤيداً لموقف المالكي وكتلته؛ حيث قالت في تفسيرها: "إن تعبير الكتلة النيابية الأكثر عدداً يعني الكتلة التي تكون مقاعدها النيابية في الجلسة الأولى لمجلس النواب أكثر عدداً من الكتل الأخرى"، وهذا يعني أن العبرة لا تكون بحصد أكبر عدد من المقاعد خلال الانتخابات، وإنما بالقدرة على عقد صفقات وتشكيل ائتلافات أوسع نطاقاً من الكتل الفائزة داخل البرلمان.

ويرى بعض المحللين أن قدرة نوري المالكي على عقد تحالفات انتخابية لتشكيل الحكومة تظل أكبر من قدرة إياد علاوي، استناداً إلى عدة اعتبارات: أولها؛ الخلاف بين بعض القوى السياسية السنية المنضوية في قائمة علاوي وبين التحالف الكردي حول تسمية رئيس الجمهورية؛ حيث تطالب القوى السنية بأن يكون الرئيس من العرب السنة، فيما يرفض الأكراد التخلي عن هذا المنصب، إضافة إلى الخلاف القائم بين الجانبين حول وضع مدينة كركوك. وقد تبنى الأكراد موقفاً واضحاً في هذا الصدد؛ حيث استبعد الناطق باسم قائمة التحالف الكردستاني أن تعقد قائمته تحالفاً مع قائمة علاوي، قائلاً: "إن التحالف الكردستاني يرى نفسه قريباً من الكتل التي لها مفاهيم مشتركة معه حول العراق الجديد مثل ائتلاف دولة القانون الذي يتزعمه المالكي والائتلاف الوطني العراقي وحركة الوفاق الوطني".

ويتمثل الاعتبار الثاني في حقيقة وجود توافق طائفي وسياسي ملحوظ بين ائتلاف "دولة القانون" و"الائتلاف الوطني العراقي" يعزز فرص التحالف بينهما، رغم التوتر الذي يشوب العلاقة بين "التيار الصدري" والمالكي. فالتكتلان محسوبان على الطائفة الشيعية؛ إذ لا يضمان تنوعاً طائفياً كبيراً مثل "القائمة العراقية"، كما أنهما يتبنيان توجهات مشتركة، وكانا حليفين قويين خلال فترة عمل الحكومة الحالية. وما يعزز من ذلك الموقف الأخير لكتلة المالكي التي أبدت مرونة في التجاوب مع فكرة استبدال المالكي نفسه بشخص آخر يحظى بالقبول من جانب "التيار الصدري"، المعارض لإعادة ترشيح المالكي، وهو التكتل الأقوى داخل "الائتلاف الوطني العراقي"؛ حيث يستحوذ على 39 مقعداً من أصل 71 حصل عليها الائتلاف. ومن الأسماء البديلة التي أشارت إليها بعض المصادر في هذا الصدد، السيد جعفر محمد باقر الصدر، الابن الوحيد للمرجع الديني البارز محمد باقر الصدر، وابن عم مقتضى الصدر، زعيم التيار الصدري.

أما الاعتبار الثالث فيتعلق بموقف إيران، التي عملت ولا تزال تعمل، من أجل أن يصل حلفائها إلى السلطة في العراق. ويرى بعض المحللين أن إيران تحاول استخدام نفوذها داخل العراق من أجل ترجيح كفة ائتلاف "دولة القانون" بزعامة المالكي على كفة إياد علاوي الذي يحتفظ بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة والدول العربية، ومن هنا جاءت دعوتها للرئيس العراقي جلال طالباني للمشاركة في احتفالات عيد النيروز من أجل محاولة إقناع التحالف الكردستاني بالتحالف مع المالكي، كما تعمل على أن يتحالف "الائتلاف الوطني العراقي"، الذي توجد قياداته في طهران، مع قائمة المالكي، وإذا نجح هذا التحالف الثلاثي فإنه سيعطي الأفضلية للمالكي لتشكيل الحكومة بدلاً من علاوي، الذي ندد بشدة بتدخل إيران بكل تفاصيل الحياة في العراق، واتهمها صراحة بأنها تسعى لمنعه من أن يصبح رئيساً للوزراء بعد فوز قائمته بالانتخابات البرلمانية الأخيرة.

وكان الحديث قد تصاعد في الآونة الأخيرة حول وجود تدخل إيراني محموم للتأثير في نتائج الانتخابات التشريعية العراقية؛ حيث اتهم رئيس البعثة الأوروبية للعراق في البرلمان الأوروبي إيران بإرسال مئات الملايين من الدولارات إلى أماكن مختلفة في العراق لشراء الأصوات، فيما اتهم مراقبون آخرون إيران بالوقوف خلف قرار "هيئة المساءلة والعدالة" القاضي باستبعاد عشرات الأشخاص من المشاركة في الانتخابات بزعم انتمائهم إلى حزب البعث المنحل، وهو أمر رجحه تصريح للرئيس الإيراني أحمدي نجاد في العاشر من شهر فبراير الماضي، أعلن فيه رفضه العلني عودة البعثيين ومشاركتهم في الانتخابات.

ويتفق العديد من المحللين والمراقبين على أن استبعاد قائمة علاوي، ومعظمها من المكون السني، من الحكومة المقبلة سيوسع من حدة الهوة الطائفية ويزيد من حدة الانقسامات ويهدد الأوضاع الأمنية؛ لأنه سيوجه رسالة سلبية لطائفة رئيسية في العراق مؤداها أنه حتى مشاركتها بكثافة في الانتخابات وحصولها على أكبر عدد من المقاعد لن يضمن لها المشاركة بفاعلية في السلطة والخروج من حالة التهميش التي تعانيها منذ سقوط نظام صدام حسين، الأمر الذي قد يغذي النزعات المتطرفة داخلها، ويفقدها الإيمان بالعملية السياسية برمتها.

ويعني ما سبق أن العراق يقف الآن في مفترق طرق، فنتائج الانتخابات إما أن تكون مقدمة لبناء عراق جديد ديمقراطي تتراجع فيه الاعتبارات الطائفية، وإما أن تكون بداية لمرحلة جديدة من العنف والصراعات العرقية والمذهبية، وهو أمر يجب أن تعيه القوى السياسية المختلفة، التي يتعين عليها تحمل مسؤوليتها التاريخية والعمل على تشكيل حكومة جديدة تحظى بالتوافق الوطني وتكون قادرة على مواجهة الاستحقاقات الداخلية والخارجية بالشكل الذي يحفظ الأمن والاستقرار في البلاد، ويضمن الإسراع في تحقيق المصالحة السياسية والوئام الوطني.

Share