عام على حرب غزة

عام على حرب غزة

  • 31 ديسمبر 2009

مر الآن عام كامل على بدأ العدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة، الذي استمر نحو< 22 يوماً، وخلف نحو 1400 شهيد، معظمهم من المدنيين، وآلاف الجرحى، فضلاً عن التدمير الهائل الذي لحق آلاف المساكن ومعظم البنية التحتية في القطاع المنكوب. ولعل حلول الذكرى السنوية الأولى لحرب غزة فرصة مناسبة لإعادة التفكير في هذه الحرب وتقويم نتائجها، سواء بالنسبة للقطاع أو إسرائيل، فضلاً عن محاولة استكشاف أي متغيرات جديدة ولجت في بيئة الصراع العربي-الإسرائيلي.وعلى الرغم من أن أهدافها شهدت تغيراً طوال فترة الحرب، فقد سعت الحكومة الإسرائيلية أساساً من هجومها الشامل على قطاع غزة إيقاف إطلاق الصواريخ على جنوبي إسرائيل، وتوجيه ضربة قاصمة "عسكرية وسياسية" لحركة حماس، وخاصة بنيتها التنظيمية والقيادية وكذلك البنية التحتية التي تستند إليها، وخاصة المصانع والورش التي تدعم تصنيع الأسلحة والأنفاق التي تستخدم في تهريبها، وتحرير الجندي الأسير لدى الحركة، وربما احتلال نقاط استراتيجية متقدمة في القطاع لاستخدامها في الضغط المستمر على فصائل المقاومة. فيما تمثلت أهداف حركة حماس، وغيرها من فصائل المقاومة، في صد العدوان الإسرائيلي، ومحاولة إفشال أهدافه، ومنعه بصفة خاصة من احتلال أجزاء من أراضي القطاع. أي أن استراتيجية حماس كانت قائمة بالأساس على الردع.  والسؤال الآن: هل نجح أي من الطرفين في تحقيق أهدافه؟

لم تستطع إسرائيل، بالإضافة إلى التدمير الهائل الذي أحدثته في القطاع، سوى في إنجاز هدف واحد من أهدافها، وهو إيقاف إطلاق الصواريخ على المدن والبلدات الإسرائيلية المحيطة بغزة. صحيح أن بعض الصواريخ أطلقت من القطاع بعد إعلان الهدنة، أنكرت حماس صلتها بها، إلا أن حوالي 90% من عمليات الإطلاق قد توقفت لحد الآن. ومع ذلك، يعترف المسؤولون الإسرائيليون بأن هذا الوضع غير مستقر، وقد ينفجر في أية لحظة. أما بخصوص حركة حماس، فإنها نجحت، على ما يبدو، في منع توغل الجيش الإسرائيلي في القطاع، وجعلته يقرر الانسحاب إلى خارجه، واستطاعت إفشال أهدافه الأخرى، ولا سيما تحرير الجندي الأسير، أو إحداث وقيعة بينها وبين المواطنين، على الرغم من أن البعض يصف صمود المواطنين خلف حكومة حماس بأنه صمود قسري، وليس نابعاً عن الاختيار الحر. بيد أن الشاهد أن الحركة لم تتمكن من تحقيق مبدأ الردع في صراعها مع جيش الاحتلال، والدليل على ذلك الغارات والتوغلات الإسرائيلية المتكررة في القطاع، والتي كانت آخرها قبل حلول ذكرى الحرب بيوم واحد، وراح ضحيتها ثلاثة مسلحين فلسطينيين. والغريب أن المناظرة الدولية التي كانت مستعرة عشية العدوان الإسرائيلي على غزة نهاية العام الماضي ومطلع هذا العام حول المسؤول عن انتهاك الهدنة خبت أو تكاد، رغم خروقات إسرائيل المتكررة والمستمرة للهدنة التي أعلنتها من جانب واحد، وأقرت حكومة حماس بها!

وبعد مرور عام كامل على الحرب، يجدر بالمرء أن يتساءل: هل من جديد في المشهد السياسي المحيط بقطاع غزة، أو المحيط بالقضية الفلسطينية كلها؟ قد يُصدم القارئ والمعلق على السواء بحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال هي النفي القاطع. فلا جديد تقريباً في المتغيرات التي واكبت شن العدوان الإسرائيلي على غزة في أواخر ديسمبر الماضي. والأدهى من ذلك أن ما إن حلت الذكرى الأولى للحرب إلا وقد خيمت نذر عدوان جديد على القطاع المنكوب. وتزعم إسرائيل أن حركة حماس زادت قوة بعد عام من الحرب، وأنها نجحت في إعادة التسلح، وأنها تملك الآن أسلحة أكثر تطوراً وصواريخ أبعد مدى مما مضى.

وبالعودة إلى المتغيرات المحيطة بالصراع على القطاع، سنجد أن الحصار المفروض على الغزيين منذ ثلاث سنوات ونيف لم يرفع، بل تم تشديده أكثر، وأن الوعود الدولية بنجدة الفلسطينيين وإعادة إعمار ما هدمته الحرب لم يترجم منها شئ يٌذكر، وأن المصالحة الوطنية الفلسطينية لم تنجز، بل ولج الانقسام الفلسطيني في حلقة مفرغة وازدادت حدته. كما أن المناظرة حامية الوطيس حول المقاومة والتسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي لم تسو، بل ازداد ضجيجها واتسعت رقعتها. والأهم من ذلك أن حالة النظام العربي ازدادت سوءاً، وتزايدت اختراقات دول المحيط الجغرافي لوحداته المختلفة ولقضيته المركزية؛ أو القضية الفلسطينية.

بالنسبة للحصار المفروض على قطاع غزة منذ وصول حماس إلى السلطة في 2006، فقد تم إحكامه على القطاع من جميع أقطاره. فالمعابر لا تزال مغلقة، ولا سيما معبر رفح الذي كان فتحه كفيلاً بحل المشكلة الإنسانية التي ترتبت على العدوان الإسرائيلي، وهناك متغيرات جديدة ساهمت في تشديد قبضة الحصار على الفلسطينيين، وحرمتهم من المساعدات الدولية (حوالي 5 بليون دولار) التي وعد بها المانحون في مؤتمر شرم الشيخ (مارس 2009). أول هذه المتغيرات هو فشل المجتمع الدولي برمته في ابتكار طريقة لتمرير المساعدات إلى القطاع، ومواجهة التعنت الإسرائيلي فيما يتعلق بمنع مواد البناء من المرور عبر المعابر لبدأ عملية إعادة الإعمار. وكان إعلان الأونروا عن تنفيذ أول مسكن من طوب اللبن قبل أيام شاهداً على هذا الفشل. ثاني هذه المتغيرات هو أن الطريقة التي ابتكرها الغزيين لمواجهة الحصار الخانق، وهي الأنفاق، واجهت اصطفافاً دولياً ضدها، خاصة من قبل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ولاسيما فرنسا؛ بحجة أنها تستخدم في تهريب السلاح إلى حركة حماس وتقوي من مركزها في القطاع. ولم تحل ذكرى العدوان إلا وقد تواترت الأنباء في مصادر إعلامية وسياسية، رسمية وغير رسمية، عديدة حول عكوف الحكومة المصرية على تشييد جدار "عازل" على طول حدودها مع قطاع غزة، من الفولاذ المضاد للقنابل، يمتد تحت الأرض نحو 18-30 متراً، وإن كان له امتداد إسمنتي فوقها، تموله الولايات المتحدة، وتشارك في تنفيذه مع بعض الدول الغربية. وأياً كانت تسمية الإنشاءات الجارية على قدم وساق على الحدود المصرية، أو أهدافها (فرض سيادة مصر "المثقوبة" على حدودها الشرقية وصيانة أمنها القومي، ومنع تسلل الأفارقة…إلخ)، فإنها تقطع خط الحياة عن الاقتصاد الفلسطيني بسد الأنفاق بألواح من الصلب مضادة للتفجير. وعلى الرغم من أن هناك تأكيد مصري متكرر على أن مصر لا تسعى إلى تشديد الحصار على الغزيين وحكومة حماس، فإن ما لا تخطئه عين المراقب المحايد أن الجدار المصري "التحتي والعلوي" سوف يزيد معاناة الفلسطينيين، بل سيعجل بكارثة إنسانية في القطاع آجلاً أو عاجلاً (اعتبرت حركة حماس وكثير من الغزاويين أنه سوف يخنقهم)، ويعني إحكام الحصار على حماس وحكومتها المقالة، وسلبها أي دعم شعبي محتمل، ومن ثم تدعيم موقف حركة فتح في القطاع المنكوب. ومن هنا، ألمح بعض العارفين إلى أن تأييد الرئيس محمود عباس للإجراءات المصرية على الحدود لا يخلو من دلالة.

والغريب أنه في الوقت الذي تتردد فيه هذه الأنباء عن الجدار المصري العازل ونتائجه الكارثية على القطاع، فإن محاولات كسر الحصار من جانب جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية الدولية تواجه بصعوبات جمة. ولنتذكر في هذا الخصوص أن قافلة "شريان الحياة 3"، التي يقودها النائب البريطاني جورج جالاوي، وتضم أكثر من 400 ناشطاً ونحو 250 شاحنة محملة بكميات من المساعدات واجهت عراقيل جمة من جانب الحكومة المصرية لدخول غزة عبر ميناء نويبع، واضطرت – بعد وساطة تركيا – إلى القفول إلى سوريا للإبحار من بعض موانيها إلى ميناء العريش المصري، ومن ثم إلى قطاع غزة، حسب اشتراطات مصر. كما أن مسيرة "الحرية لغزة"، التي تضم زهاء 1300 شخصاً، ينتمون إلى 42 دولة، تواجه صعوبات مشابهة للوصول إلى القطاع.

وتحل ذكرى الحرب، وقد زادت حدة الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس، ولا يلوح في الأفق- في ضوء بداية توتر بين الأخيرة والحكومة المصرية بسبب الجدار- احتمال على مصادقة حماس على الورقة المصرية للمصالحة الفلسطينية قريباً. يذكر أن حركة حماس رفضت التوقيع على الورقة في أكتوبر الماضي، بسبب ما رأته فيها من تجاوز لما تم الاتفاق عليه بين الحركتين في حضور الوسطاء المصريين. والآن، أصبح التراشق بأسوأ الصور النمطية، من قبيل إمارة الظلام في غزة والعملاء في الضفة، شائعاً بين قيادات فتح وحماس. وعلى أية حال، فإن الانقسام الفلسطيني ولج، في أعقاب حرب غزة، في حلقة مفرغة، كان آخرها الإعلان عن إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في يناير القادم ليتم النكوص عنها عملياً، لأسباب عديدة ليس هنا مجال التفصيل فيها.

وإن كان العدوان الإسرائيلي على غزة، ومن قبله حرب لبنان في يوليو 2006، قد جدد الجدل داخل صفوف الانتلجنسيا والنخب السياسية في العالم العربي حول المقاومة والتسوية السلمية كبديلين محتملين لتسوية الصراع مع الكيان الصهيوني، فإن مرور عام على بدأ العدوان، وفي ضوء السياسات العدوانية للحكومة الإسرائيلية بزعامة بنيامين نيتانياهو في القدس والضفة والقطاع، ووصول مسيرة المفاوضات إلى طريق مسدود أو إلى المربع الأول، كانت كلها كفيلة ليس فقط باستمرار الجدل، بل إزكائه وزيادة ضجيجه. وتفرز حالة الجدل هذه قصفاً إعلامياً كثيفاً ومتبادلاً بين الفرقاء السياسيين والفكريين، وتخلف استقطاباً فكرياً حاداً بين المتناظرين أشد وطأة من الاستقطاب الذي يشهده النظام العربي حالياً.

وإذا كانت حرب غزة كاشفة لضعف النظام العربي وانقسامه، واختناقه إلى درجة جعلته يصدّر قضيته المركزية إلى الآخرين للتعامل معها، فإن انقضاء عام لم يزده إلا ضعفاً وتهرؤاً. فسجل النظام العربي كان صفراً تقريباً فيما يتعلق بالتعاطي مع تداعيات العدوان الإسرائيلي، سواء في ملف المصالحة الفلسطينية أو إعادة الإعمار أو استئناف المفاوضات أو وقف الاستيطان، بل إن بعض وحدات النظام الرئيسة ساهمت مساهمةً سلبيةً، بدرجة أو بأخرى، في هذه الملفات. ضف إلى ذلك أن أمراض النظام العربي القديمة والجديدة في تعاطيه مع القضية الفلسطينية لم تجد دواء أو وصفة سياسية جيدة. فقد تزايدت اختراقات دول المحيط الجغرافي (إيران وتركيا) ونفوذها في قضية العرب المركزية. وبدلاً من أن يوحد الخطر أو التهديد الخارجي (إسرائيلياً كان أم إيرانياً) وحدات النظام، كما كان يحدث من قبل، أصبح يباعد الشقة بينها، ويساهم، من ثم، في إدامة حالة الاستقطاب المريرة بين وحدات النظام ومعسكراته، بل أصبح مسؤولاً بدرجة أو بأخرى عن العجز أو التلكؤ العربي في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية من ملفات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات