عام على "ثورة" اليورو

  • 5 يناير 2003

احتفلت منطقة اليورو مع بداية الشهر الحالي بمرور عام على طرح العملة الأوروبية الموحدة في التداول لتحل محل عملات اثنتي عشرة دولة أعضاء في الوحدة النقدية الأوروبية. وقد مثّل تحوّل اليورو من عملة "افتراضية"، ظل التعامل بها منذ طرحها للمرة الأولى في بداية عام 1999 مقتصراً على الصفقات التجارية والحسابات المصرفية، إلى أخرى حقيقية يتداولها أكثر من 350 مليون أوروبي، إنجازا تاريخيا عالميا كبيرا، فالقاعدة الأساسية هي بناء اقتصاد أوروبي موحد يتألف من اقتصادات ظلت حتى وقت قريب متنوعة ومتفاوتة في طبيعتها، خاضت دولها خلال القرن الماضي حربين عالميتين.

ويكتسب الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لميلاد اليورو طابعا خاصا خلال هذا العام، ليس فقط لأن العملة الجديدة قد أثبتت وجودها وفعاليتها كبديل لاثنتي عشرة عملة أوروبية، مع ما يترتب على ذلك من منافع اقتصادية عظيمة بالنسبة إلى اقتصادات الدول الأعضاء، وإنما أيضا للمكانة التي باتت تحتلها في العالم باعتبارها واحدة من أهم العملات الرئيسية العالمية القليلة وربما أكثرها مقدرة على التنافس في أسواق الصرف العالمية. وقد ظهر ذلك من خلال الارتفاع الكبير الذي حققه اليورو مقابل الدولار الأمريكي خلال هذا العام والذي تجاوزت نسبته 12% ليعود إلى مستوى يتجاوز بقيمة العملة الأمريكية بعد أن ظل على مدى العامين الماضيين دون ذلك المستوى. فقد دحض أداء اليورو مقابل العملات الأخرى خلال العام الحالي الشكوك جميعها التي سبق ورافقت ظهور اليورو للمرة الأولى في عام 1999 بشأن إمكانية بقائه وخصوصا في أعقاب فقدانه في البداية لنحو ربع قيمته أمام الدولار.

صحيح أن الأداء القوي الذي كشفت عن العملة الأوروبية مقابل الدولار واستعادتها للجزء الأكبر من خسائرها خلال هذا العام يعود بجزئه الأكبر إلى الضعف الذي طرأ على العملة الأمريكية نتيجة للظروف الاقتصادية داخل الولايات المتحدة أكثر من كونه ينبع من قوة ذاتية لليورو، إلا أن هذا الارتفاع ما كان سيحصل لولا القناعة التي باتت توليها الأسواق لليورو باعتباره العملة الأكثر مقدرة على التنافس مع نظيرتها الأولى في العالم. وقد اتخذت هذه القناعة أشكالا عديدة. فإلى جانب حقيقة ظهوره فعليا في الأسواق بشكله النقدي والورقي، ثمة اتجاه بتحول الصفقات التجارية العالمية الكبرى إلى اعتماد اليورو كعملة لتسوية هذه الصفقات.
تجربة اليورو تصلح لأن تكون درسا بالغ الدلالة تستفيد منها التكتلات الاقتصادية جميعها في العالم، ومنها منطقة الخليج العربي التي ترمي إلى توحيد عملاتها في السنوات المقبلة. فهي إذ تؤكد حجم المنافع الاقتصادية التي يمكن جنيها من تبني عملة واحدة لاقتصادات ذات طبيعة متشابهة. إلا أنها تبيّن بوضوح بأن الطريق نحو توحيد العملة لدى مجموعة من الدول ليس سهلا أو مفروشا بالورود بل يتطلب جهودا استثنائية باتجاه إرساء الأسس الصحيحة التي تستند إليها أي وحدة نقدية واقتصادية تسعى إلى تأكيد وجودها على مسرح الاقتصاد العالمي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات