عالم عربي بين التفكك والوهن والارتهان

د. بشارة نصار شربل: عالم عربي بين التفكك والوهن والارتهان

  • 2 يناير 2005

لا ضرورة لإجراء جردة عام كامل لرسم صورة سوداء لما آل إليه العالم العربي من وهن وخلافات وارتهان. فتكفي العودة إلى الشهر الأخير من السنة المنصرمة ومراقبة أحداثه السياسية الرئيسة ليأخذ المواطن العربي جرعة زائدة من الاكتئاب.

رحل العام 2004. لا أسف عليه. لكن النقلة بين عام وعام ليست سوى محطة نفسية توهم بإمكان التغيير وتغذي الأمل في نور مفاجئ يقذف في صدر الأمة التي تعيش أصعب المخاضات منذ مرحلة الاستقلالات الوطنية وما تلاها مباشرة من انقلابات وتقلبات. ومع أن مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي كانت مضطربة، فإنها حملت في طياتها بذور تفتح وتطلع الى مستقبل واعد بنهوض وطني وأهداف قومية مشتركة، في حين أن مطلع القرن الحالي لا يوحي إلا بمزيد من التفكك والخيبة.

لا مفر من التأريخ للحظة اختلال عقد "النظام العربي" يوم اجتياح العراق للكويت في أغسطس/آب 1990، ولا بد من قراءة الأحداث التي تلت هذا الحدث الكبير على ضوء ما تسببت به هذه الخطوة الرعناء من تغير عميق طاول علاقات الأنظمة العربية بعضها ببعض وطاول علاقاتها فرادى مع القوة التي أضحت وحيدة في العالم وقتذاك، من غير إغفال المشاعر الشعبية المتناقضة التي برزت والتي أسست خصوصاً لدى الفئات المتشددة لكراهية لا نظير لها إزاء التدخل الأجنبي متمثلاً بالولايات المتحدة، ووصلت أوج تعبيراتها في جريمة 11 سبتمبر/أيلول.

يندرج المشهد المتشظي للعالم العربي والذي يجد تمثيلاً نموذجياً له كلياً أو جزئياً في شهر ديسمبر/كانون الأول 2004، ضمن ارتدادات التطور المفصلي الذي تمثل في "غزوة نيويورك"، ونجم عنه قرار واشنطن تغيير النظام في أفغانستان واحتلال العراق. والمشهد، وإن حمل بذور تراكمات تاريخية أو سياسية، فإنه ما كان ليظهر في هذه الصورة لولا وصول العلاقات الداخلية بين الشعوب وأنظمتها إلى نقطة حرجة، ووصول العلاقات الإقليمية مع الولايات المتحدة إلى لحظة الخيارات الحاسمة، التي تلغي التباساً استمر عقوداً بين خطاب وطني-قومي-إسلامي موجه إلى الداخل والتصاق مالي-اقتصادي-سياسي كامل مع واشنطن.



1- تقفز إلى الواجهة تلك التصريحات الخطيرة التي أدلى بها الملك عبد الله الثاني وحذرت من هلال شيعي يمتد من إيران إلى العراق فسورية ولبنان. وهو كلام لا يعبر فقط عن مخاوف المملكة الهاشمية من أن تحصر بين فكي كماشة أو أن تجتاحها النزعات الأصولية الحاضرة بقوة في المجتمع الأردني، بل يصرح بما يفكر به قادة عرب آخرون في الخليج وفي السعودية على الأخص من خشية أن تؤدي التدخلات الإيرانية المكثفة في العراق سلاحاً ومالاً ونفوذاً سياسياً إلى حلف أصولي شيعي يتردد صداه في المنطقة الشرقية السعودية، فيوقظ الدفين من المشاعر أو يفتعل ما يسيء إلى الوحدة، ويدفع المتطرفين إلى مزيد من أعمال العنف، التي قد تأخذ أبعاداً تتجاوز سلوك مجموعات متفرقة أو تنظيم إرهابي، لتطاول شريحة في المجتمع. وهو الأمر الذي يستحيل على منظومة دول مجلس التعاون احتماله، نظراً لتشابك التركيب المذهبي وانعكاساته على الاستقرار في المنطقة وداخل كل دولة.

وإذ يلاحظ أن اللغة المذهبية آخذة في التمدد واحتلال حيز من التعبير السياسي على أعلى المستويات، يلاحظ أيضاً انعكاسها توتراً شديداً في علاقات الدول المعنية بها مع الدول التي يشك ولو خطأ أنها ساعية إليها أو تتعاطف معها. فنرى علاقات عمان بدمشق في أدنى مستوياتها، والعلاقات السعودية-السورية مشوبة بالبرودة، هذا إذا لم نتحدث عما هو معلوم من سوء لعلاقة الرياض وعمان بطهران.

في الإطار نفسه، وفي ظل الخوف من تطورات عراقية ليست في الحسبان، تسير الحركة النشطة على مسار التسوية العربية-الإسرائيلية، مستثنية سورية، وتشهد علاقات الأردن ومصر مع اسرائيل دينامية أبرز مظاهرها الود المتجدد مع قادة الدولة العبرية وتوقيع اتفاقات اقتصادية ذات أهمية بين القاهرة وتل أبيب، وبين عمان وتل أبيب.

3- تعطي العلاقة السعودية-الليبية نموذجاً فاقعاً لما يمكن أن يحصل بين دولتين عربيتين. ولا شك أن الحال الذي تعيشه طرابلس منذ انقشاع المظلة السوفييتية عنها وصولاً إلى تسويتها استحقاقات عدد من العمليات الإرهابية عبر دفع تعويضات مالية، تشكل دليلاً على عدم قدرتها على السير على النهج القديم، في الوقت الذي لا تستطيع فيه التأقلم مع المهمات الجديدة الموكلة إليها والتي هي، على الأقل، مزيج من الحياد والتعاون الايجابي مع سياسات الغرب.

وإذا كان مستغرباً أن تقطع طرابلس خط المصالحة الذي سارت عليه منذ سنوات، وتتورط، كما قيل، في محاولة لاغتيال ولي العهد السعودي، ما تسبب في قطع العلاقات، فإن من المؤلم أن يشهد العالم العربي الذي يعاني أزمات بنيوية وسياسية ناجمة عن التحديات المحدثة وعجزه عن مواكبة التطور أو إنجاز إصلاحات، نوعاً خطيراً من التوتر الذي كان يعتقد أنه ولى إلى غير رجعة.

4- يبقى الموضوع "الأبدي" الفلسطيني-الإسرائيلي، وهو انقشع في الشهر المنصرم عن مساع غير عادية في اتجاه تحريك عملية السلام المنفردة على هذا المسار. وإذا كانت وفاة القائد-الرمز ياسر عرفات فتحت ثغرة في جدار الدبلوماسية المسدود وغيرت في القيادات الفلسطينية بطريقة تعيد وصل ما انقطع مع الولايات المتحدة وتجعل إسرائيل غير قادرة على التهرب من مساعي السلام، فإن ما يوحي به الوضع السياسي الراهن هو أن قاعدة التفاوض المقبلة مع إسرائيل هي الإقرار بموازين القوى التي خلقها أرييل شارون، بما فيها الاعتراف بفشل عسكرة الانتفاضة وفشل تنسيق الانسحاب من غزة وبعض مستوطنات الضفة بما يخدم خريطة الطريق، والتعامل مع الجدار العازل كأمر واقع. في أجواء كهذه يبدو أي تفاوض على إقامة دولة فلسطينية، حتى ولو صفت نيات الرئيس بوش، محكوماً باستحالة التطرق إلى عودة اللاجئين وإلى وضع القدس وفق ما يشتهي الفلسطينيون، هذا إذا افترضنا أن الوحدة الوطنية الفلسطينية مستمرة في الصمود وأن سياسات الحد الأقصى غير الممكن ستعجز عن نسف الحد الأدنى الممكن من رغبات القيادة الفلسطينية.

تلك نماذج لم تمر عليها سوى أيام أو أسابيع قليلة لكنها كفيلة، مع الأسف، برسم صورة سوداء للوضع العربي الرسمي والشعبي على السواء. فهل يحمل العام المقبل مفاجآت تحيي رميم عظام النظام العربي أو تنعش الآمال في إمكان تخطي حال الركود والفشل والخيبة، أم نعدد العام المقبل في جردة شبيهة أحداثاً مشابهة ونترحم على الذي كان؟

Share