عاصفة من الردود حول العملة الرقمية المقترحة من فيسبوك

  • 8 أغسطس 2019

بعد أعوام من الترقب والتحضير، أعلنت شركة فيسبوك، في 18 يونيو الماضي، مشروع عملة رقمية مشفرة جديدة باسم «ليبرا»، باستخدام تقنيات البلوك تشين، حيث ستشرف على العملة رابطة مقرها في جنيف، سويسرا، مكونة من 27 عضواً، مع أمل في الوصول إلى نحو 100 شريك بداية العمل المتوقع لها في يونيو 2020.
تكمن الأهمية الكبيرة لهذه العملة في أنها تأتي من شركة تضم أكثر من 2.4 مليار مستخدم، وبمشاركة عمالقة الخدمات الإلكترونية في العالم كشركات فيزا، ماستركارد، أوبر، إيباي، وفودافون، وكذلك منظمات عمل إنسانية دولية عدة كمنظمة ميرسي كوربس وبنك النساء العالمي. وبخلاف غيرها من العملات الرقمية المشفرة كالبيتكوين، تعِد فيسبوك بتقديم عملة مستقرة مدعومة بأصول واحتياطيات مبدأيه تقدّر بمليار دولار أمريكي، مع ربط سعر صرفها مباشرة بسلة العملات الرئيسية كاليورو والجنيه الإسترليني والدولار الأمريكي.
ليبرا ستدار عبر محفظة رقمية باسم «كاليبرا» تبنى ضمن تطبيقات فيسبوك كالواتساب والماسنجر، وكتطبيق مستقل. ويمكن لأي شخص عبر المحفظة استبدال قيمة مالية باستخدام بطاقة الائتمانية أو حساب بنكي أو كلفة تضاف لفاتورة الهاتف المحمول للحصول على مكافئها من ليبرا. تكمن فوائد هذه العملة المشفرة في التسوق الإلكتروني وإرسال الأموال والتبرعات وخدمات القروض، لكنها تستهدف تحديداً نحو 1.7 مليار إنسان حول العالم يستخدمون الإنترنت ليست لديهم حسابات أو خدمات بنكية.
لم ينتظر العالم كثيراً رؤية ردود الفعل السلبية تتعالى على العملة المقترحة، حيث صرّح وزير المالية الفرنسي برونو لو ماير، في يوم إعلان فيسبوك نفسه، أن العملة سمة سيادية للدول يجب لا يسمح أبداً أن تكون بيد الشركات الخاصة. وأضاف أن أي عملة مشفرة يمكن أن تكون طريقاً لغسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو أي نشاط غير قانوني آخر. ردود فعل أخرى قويّة جاءت من الولايات المتحدة الأمريكية؛ فرئيسها دونالد ترامب عبّر بتغريدة على تويتر في 11 يوليو، عن انتقاده الشديد للمشروع، وشكك بموثوقية العملة، مع تأكيده أن سعي فيسبوك لعملة جديدة لا بد أن يخضع للتشريعات المالية التي تنظمها القوانين والمواثيق المصرفية تماماً كحال البنوك. رئيس المجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم بأول، ذكر أن ليبرا تثير مخاوف جديّة متعلقة بالخصوصية وغسل الأموال وحماية المستهلك والاستقرار المالي للدول، وأنه لا يمكن للمشروع المضي قدماً قبل معالجة هذه المخاوف. كذلك صرّح وزير الخزانة الأمريكي ستيفن منوتشين بأن الإدارة الأمريكية غير راضية بتاتاً عن العملة لأنها تشكل تهديداً للأمن القومي ويمكن استخدامها لتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي والابتزاز والمخدرات والاتجار بالبشر. وأوضح أن العملات المشفرة لا بد من أن تمتثل للقوانين المصرفية والتسجيل في شبكة إنفاذ الجرائم المالية وأن تطبّق معايير مكافحة غسل الأموال نفسها وتزييفها كالشركات المالية التقليدية. لجنة الرقابة المالية في كوريا الجنوبية ذكرت أن عملة فيسبوك سيكون لها تأثير في النظام المالي العالمي والصناعة المصرفية في حال رأت النور، مع خوف بتحولها إلى حل جذّاب لغسل الأموال عالمياً. الصين كان لها رأي عبر مدير مكتب الأبحاث في بنك الصين الشعبي، البنك المركزي، حيث أكد أنهم يدرسون بجدية مشروع ليبرا لما يرون من تأثير سلبي محتمل لها في السياسة النقدية والاستقرار المالي العالمي. وأضاف أن خطط فيسبوك نحو عملة رقمية عالمية أجبرت البنك على تكثيف جهوده وأبحاثه نحو إنشاء عملة رقمية وطنية لأنه ليبرا، على حد تعبيره، ستشكل تحدياً جدياً لميزان المدفوعات الصينية وتهديداً للسياسات النقدية والمالية للصين.
لكن لم تكن كل الردود رافضة لمشروع فيسبوك، فالسلطات اليابانية أعلنت نيّتها تشكيل فرق عمل لدراسة تأثير ليبرا في السياسات النقدية في الدولة، مع أمل بحشد دعم دول أخرى نحو سياسات أوسع بشأن العملات المشفرة بشكل عام. سلطة النقد السنغافورية ذكرت، بعد عقدها اجتماعات مع مسؤولين من شركة فيسبوك، أن للعملة فوائد لا يمكن إغفالها عبر توفيرها نظام مدفوعات رخيص وغير مقيّد بالبنوك، وأنه يمكن دراسة دمج ليبرا ضمن خدمات الدفع بالدولة، شرط معالجة جميع المسائل المرتبطة بالأمن والخصوصية، وخضوعها كذلك لمتطلبات حماية البيانات الشخصية ومكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، بموجب القوانين السنغافورية. ومن ناحية أخرى، ذكر كريستوفر وولارد المدير التنفيذي للاستراتيجية والمنافسة في هيئة السلوك المالي بالمملكة المتحدة أن مشروع ليبرا مثير للاهتمام بالفعل، ولكن بالنظر إلى الانتشار العالمي لعملاق التواصل الاجتماعي فيسبوك، وتاريخها «المثير للجدل» مع البيانات، فإن الجهات الرقابية ستدرس إذا ما كانت ستصنف العملة الرقمية من الشركة كعملة مستقرة وتمتثل بالفعل لجميع متطلبات خدمات الدفع والنقود الإلكترونية. وذكر كذلك أنه سيتم دراسة فيما إذا كان للعملة فوائد حقيقة للمستخدمين وكيفية تأثيرها في قوانين المنافسة والاحتكار. كما أعرب محافظ بنك إنجلترا، مارك كارني، أن للعملة فوائد محتملة وخصوصاً في الدول التي يكون فيها تحويل الأموال مكلفاً وبطيئاً، ولكنه شدد على أنه يجب أن تخضع للمعايير الصارمة بشأن غسل الأموال والاختراقات الأمنية وانتهاك الخصوصية. وأكد نيّة البنك دراسة تأثيرات العملة مع البنوك المركزية بدول مجموعة السبع وصندوق النقد الدولي.
إذن، تباينت الآراء نحو مشروع فيسبوك من رفض إلى حذر، وهذا ليس بغريب وخصوصاً تجاه عملة رقمية ومن شركة ربحية عرفت بتاريخها المثير للقلق بقضايا تمس خصوصية مستخدميها، وفضيحة كامبريج أنالاتيكا ما تزال حاضرة في الأذهان. ومع مواجهة الشركة لرفض قاطع لعملتها من قبل حكومات كبرى فإن ذلك قد يدفع الشركة إلى تأجيل مشروعها لسنين عدة، على الأقل، حتى تتبدد جميع المخاوف بشأن هذه العملة، أو حتى التخلي عنه نهائيا. فيسبوك أكدت أنها لا تنافس العملات السيادية، وأنها لن تقدّم عملتها قبل تلقّي كل الموافقات التنظيمية والرقابية من مختلف الحكومات بشأنها. وذكرت الشركة إجراءها مناقشات مع هيئة الإشراف على الأسواق المالية السويسرية بغية الوصول لإطار تنظيمي للعملة، مع تأكيدها عزمها تسجيل كاليبرا كشركة خدمات مالية بوزارة الخزانة الأمريكية.
وفي النهاية، هنالك ما يدفع إلى التفاؤل، وإن بحذر، نحو مستقبل أفضل لهذه العملة لأننا نرى استعداد فيسبوك تقديم كل الضمانات الرقابية الملزمة لعملها، يدعم ذلك إشراف رابطة عليها فيها أعضاء لهم شأن كبير على ساحة الأعمال العالمية، ويتحلون بثقة كثير من المستخدمين، مؤشراً إيجابياً قد يزيد من فرص قبولها بكثير من الدول، وخصوصاً في الفقيرة والنامية منها والتي تستطيع الاستفادة بشكل عملي من هذه العملة الرقمية لتجاوز ضعف الخدمات البنكية فيها.

Share