ظلال الحرب الأمريكية ضد العراق

ظلال الحرب الأمريكية ضد العراق

  • 5 مايو 2003

شهدت الأسابيع السابقة للحرب الأخيرة على العراق اختلافات ومخاوف اجتاحت جنبات العالم حيث لم يتم التوصل إلى أي حل حاسم بشأن هذه القضية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وفي الوقت نفسه ظهرت انقسامات عبر الأطلسي وفي جميع أرجاء القارة الأوروبية. والآن بعد أن أسدل الستار على هذا الصراع يبدو أن شكوكًا على نفس الدرجة إن لم تكن أكبر قد بدأت تتبوأ مكانها على الساحة. وفي ظل هذا الوضع فإن استعراض القوة الذي تم في العراق – والأمريكي في المقام الأول -ستكون له آثاره على العديد من الدول الأخرى في شتى أنحاء المعمورة بما في ذلك دول الشام وإيران وتركيا وكذا الصراع بين باكستان والهند وفي شرق آسيا وفي داخل القارة الأوروبية.   وفي بلاد الشام، قام وزير الخارجية الأمريكي كولين باول مؤخرًا بزيارة سوريا وذلك بهدف الضغط عليها كي تكف عن دعم الجماعات المعادية للصهيونية. ومن الواضح أن هذه الخطوة كانت إحدى الخطوات الرامية إلى تمهيد الطريق لإجراء محادثات بشأن "خارطة الطريق" لتحقيق السلام التي طال انتظارها والتي سيستخدمها البيت الأبيض لإجبار الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني على التوصل إلى اتفاق سلام بينهما. وهذا التحول الذي طرأ على المعادلة الإقليمية من شأنه أن يدعم الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة في هذا الشأن حيث بات "تغيير الأنظمة" أمرًا واردًا على نحو اكبر بالنسبة للأنظمة التي لا تبدي تعاونًا مع الجهود الأمريكية. ومن ناحية أخرى، فإن فترة ما بعد الصراع تحمل بين طياتها آثارًا كبيرة على إيران أيضًا وذلك في مجالات عدة، فلقد اتجه عدد من كبار رجال الدين إلى العراق مما أضعف بدوره تأثيرهم على المجتمع الإيراني. وعلاوة على ذلك، فلقد تغيرت المعادلة الاستراتيجية الإقليمية برمتها. وبالرغم من أن الإيرانيين لا يشعرون بالأسى حيال انهيار نظام صدام حسين إلا أنه تنتابهم شكوك كبيرة جراء التواجد الأمريكي الجديد في الجانب الآخر من الحدود الغربية مباشرة. أما تركيا، فإنها تواجه في أعقاب الصراع مجموعة كبيرة من التحديات الاستراتيجية حيث يبدو أن القوات الأمريكية في طريقها للخروج من البلاد بعد انتهاء "منطقة الحظر الجوي" المفروض على شمال العراق. والأهم من ذلك فإن المصير السياسي للأكراد في شمال العراق يبدو غير معلوم في الوقت الراهن ، الأمر الذي سيؤثر دون أدنى شك على التحركات التركية في المنطقة. وعلى صعيد آخر، فإن العلاقات بين الهند وباكستان قد شهدت مؤخرًا بعض التحسن. وبعيدًا عما يدور وراء الكواليس من ضغوط أمريكية على كلتا الدولتين لإنهاء خلافاتهما كي تستطيع باكستان أن تركز اهتمامها بشكل أكبر على الحرب ضد القاعدة والجماعات الإسلامية المتطرفة الأخرى، فإن زعيمي كلتا الدولتين يخشيان التبعات المتوقع وقوعها نتيجة الحرب في العراق. ويرجع ذلك إلى الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قد تعمل منفردة لتسوية أي نزاع ينشأ في أي مكان في العالم وذلك وفقًا لشروطها الخاصة. أما كوريا الشمالية التي تعد الآن أحد طرفي "محور الشر" الأساسين فهي تواصل سياسة تطوير أسلحة الدمار الشامل بالرغم من الضغوط الكبيرة المفروضة عليها للتوقف عن ذلك. وكانت قيادة كوريا الشمالية قد ذكرت أن فشل العراق في التعاون مع المفتشين الدوليين علامة على الضعف، ومن ثم فهي تحاول أن تقدم إلى الولايات المتحدة العديد من الإشارات الضمنية حول نمو قوتها النووية. ولكن على النقيض من ذلك، فإن الزعماء أمريكا الاستراتيجيين قد يميلون أكثر في أعقاب حرب العراق إلى ضرب كوريا الشمالية لتقديم مثال آخر على "تغيير النظام" وذلك عقب نجاح ضربتهم التي وجهوها ضد العراق. وتواجه أوروبا أيضًا عدة مشاكل اقتصادية عقب انتهاء الصراع في العراق، حيث أعلنت فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولكسمبورج التوصل إلى تعاون دفاعي أكبر في حين ظهرت بريطانيا ودول أوروبا الغربية كحلفاء رئيسيين للولايات المتحدة يمكن الاعتماد عليهم. وبالتأكيد فإن فترة ما بعد الصراع يمكن أن يكون لها أكبر الأثر على قرارات السياسة الأوروبية لبعض الوقت، حيث تبدو دول أوروبا الشرقية على استعداد لدعم الولايات المتحدة في محاولة لأن تفرض نفسها بهدف إعادة توزيع القوى في المنطقة. وبالفعل، أُعلن مؤخرًا عن أن بولندا ستتولى قيادة إحدى فرق قوات حفظ السلام الدولية في العراق. وعلى صعيد آخر، فإن فرنسا وألمانيا تواجهان احتمال قيام أمريكا بالانتقام منهما بسبب موقفهما إبان حرب العراق. وكانت الولايات المتحدة قد هددت بمعاقبة فرنسا من خلال تهميش دورها داخل الناتو. ويأتي هذا التحول بالإضافة إلى الموجة العامة من الاستهزاء التي تواجهها في الولايات المتحدة.  ومن جانبها، فإن ألمانيا تواجه خسارة القواعد الأمريكية الرابضة في البلاد منذ بداية الحرب الباردة، فضلاً عن عظم العواقب الاقتصادية لمثل هذه الخطوة. 

Share