ظاهرة العنف لدى فئة الأحداث في المجتمع الإماراتي

  • 14 يوليو 2011

عند دراسة أي ظاهرة اجتماعية لها آثارها السلبية الواضحة على السطح لابد من وضعها في إطارها المجتمعي، مع تجنب التعميم حتى لا نقع أسرى لتحليل غير علمي يقود إلى استنتاج مؤشرات خاطئة. ومن هذه الظواهر التي بدأت تنتشر في عدد من المجتمعات المتقدمة والنامية على حد سواء مشكلة جنوح الأحداث، التي تهدد الأجيال الناشئة، ومن ثم مستقبل مسيرة التنمية التي تنهض على أكتاف هذه الأجيال.

ولاشك في أن الحديث عن مشكلة جنوح الأحداث والمراهقين في مجتمع الإمارات، ولاسيما من أبناء الدولة، تكتنفه حساسية شديدة؛ نظراً لأن الحدث في مجتمع الإمارات يعيش في وسط شديد التنوع ثقافياً واجتماعياً وسلوكياً، وذلك بالنظر إلى وجود العديد من الجنسيات الأخرى الوافدة وفقاً لنمط التنمية المتبع في الدولة الذي يعتمد بصورة أو بأخرى على العمالة الأجنبية في الدفع بالعملية الاقتصادية في ظل نقص الكوادر الوطنية، فهؤلاء يمثلون ثقافات وعادات وتقاليد قد تختلف، وقد تتفق، مع عاداتنا وثقافتنا. وهنا قد يقع المراهق أو الحدث في صراع القيم المتضاربة، أو حتى المتداخلة، إذا لم يجد التوجيه المناسب للخروج من هذا الصراع بسلام.

وعند الحديث عن ظاهرة العنف التي انتشرت في الفترة الأخيرة بين فئة الأحداث أو المراهقين، علينا أن نفرق بين المشاحنات والمشاجرات التي تقع أحياناً بين رفقاء العمر أو طلبة المدارس لأسباب خلافية، فهذه تعد جزءاً من الحراك اليومي بين الأقران، وبين العنف الذي يقود إلى ارتكاب جرائم يحاسب عليها القانون، كجرائم القتل والسرقة والجرائم الأخلاقية وغيرها، وهذا العنف وما يولده أحياناً من عنف مضاد هو الذي يعنينا هنا. وفي هذا السياق، توضح الإحصاءات التي أعلنتها وزارة الشؤون الاجتماعية ونيابة الأسرة والأحداث بدبي، أن عدد الأحداث المواطنين الذين ارتكبوا جرائم سرقة واعتداء، والذين استقبلتهم دور الرعاية الخمس الموجودة في الدولة وسجن الأحداث في إمارة دبي، وصل إلى 848 حدثاً خلال العام 2009 بنسبة زيادة قدرها 32% مقارنة بالعام 2008، أي بنحو ثلث العدد الإجمالي لعام 2009، وهو مؤشر يدل على مدى تفاقم هذه المشكلة، التي أصبحت بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والتركيز للخروج منها لما هو أفضل لأمن المجتمع بشكل عام.

وقد قامت وزارة الشؤون الاجتماعية بجهد ملموس في إعادة تأهيل هؤلاء، حيث نجحت في تأهيل 9% من إجمالي الأحداث، كما قامت بدمج عدد منهم في وظائف مناسبة، وإعادة بعضهم الآخر إلى مقاعد الدراسة لاستكمال التعليم من أجل المساهمة في بناء المجتمع بصورة إيجابية عبر الوسائل العملية المتاحة للجميع.

 وتفصيلياً، أكدت إحصاءات وزارة الشؤون الاجتماعية أن دور الرعاية الخمس الموجودة في الدولة استقبلت 683 حدثاً في العام 2009، فيما استقبل سجن الأحداث في دبي 165 حدثاً مواطناً في العام نفسه، مقابل 472 حدثاً في العام 2008، وبنسبة نمو 32% في مختلف إمارات الدولة. وفيما يتعلق بالوضع الأسري أو الاجتماعي لهؤلاء الأحداث، أشارت الإحصائية إلى أن 258 حدثاً من المقيدين في سجلات الوزارة  في العام 2009 هم من أب وأم مواطنين، بنسبة 38% من مجموع الأحداث، أما الأحداث المواطنون من أب مواطن وأم أجنبية فقد بلغ عددهم 425 وبنسبة 62% من إجمالي الأحداث في دور الرعاية، وفي ذلك دلالة واضحة على أن لدور الأسرة تأثيراً بارزاً في جنوح الأحداث، حيث قاربت نسبة الأحداث الجانحين من الزيجات المختلطة الضعف تقريباً مقارنة بالزيجات المواطنة.

إضافة إلى ذلك، كشف رئيس نيابة الأسرة والأحداث في إمارة دبي، أن 342 حدثاً قُيدوا في سجلات النيابة في العام 2009، بينهم 165 مواطناً أي بنسبة تقارب 50% من إجمالي الأحداث المقيدين، الذين تورطوا في 250 قضية، معظمها قضايا اعتداء من الدرجة الأولى، إضافة إلى قضايا السرقة. كما بينّت إحصائية نيابة الأسرة أن 52 حدثاً مواطناً من المتورطين في هذه القضايا أمهاتهم أجنبيات، فيما نشأ عدد آخر من هؤلاء الأحداث في أسر تعددت فيها زوجات الأب، وفي هذا دليل إضافي على أهمية عامل جنسية الأبوين في جنوح الأحداث.

لا خلاف على أن السبب المباشر أو العامل الجوهري في نشأة الأبناء على طريق الاستقامة الاجتماعية يعود إلى الأسرة، فهي الإطار الأول الذي ينشأ فيه الطفل، ولها دور حاسم في حماية الأبناء وإبعادهم عن طريق الانحراف من البداية، ولا يوجد أي رأي أو دراسة اجتماعية تختلف بشأن هذا الرأي أو الاستنتاج، إلا في بعض المجتمعات التي يستقل فيها الأبناء عن أسرهم في وقت مبكر. أما العوامل الأخرى أو الخارجية فهي ثانوية تساعد على المضي في طريق الجنوح  وارتكاب الجرائم، وعلى قدر صلابة التربية الأولى للأبناء يكون مقدار مقاومتهم للعوامل الأخرى كأصدقاء السوء والشلة الفاسدة أو الوسائل الحديثة المعينة على ارتكاب بعض الجرائم بطريقة غير مباشرة.

وللوصول إلى حلول أمثل للتخفيف من درجة العنف الذي يصاحب بعض جرائم الأحداث، سواء أكان لفظياً أو معنوياً أو مادياً باستخدام كافة الوسائل المتاحة، والتي قد لا تكون بالضرورة واقعة في إطار الممنوعات، نعتقد أن للأسرة المواطنة دوراً رئيسياً في تخطي هذه المرحلة العمرية المهمة، بالتوعية والتوجيه المرن والسليم، فثلاثة أرباع الحل هو بيد الأسرة.

ولو أخذنا ما تقوم به بعض المجتمعات الآسيوية في علاج مشكلات الأحداث لديها، كحال اليابان مثلاً، لوجدنا أن النظام الاجتماعي هناك يضع حل هذه المشكلة بيد مجالس اجتماعية في الأحياء السكنية يتكون أعضاؤها من أولياء أمور الأحداث الجانحين قبل رفع القضايا المتعلقة بهم إلى المحاكم وتطبيق القوانين عليهم. هذه الفلسفة تقوم على منطق أن هؤلاء الأحداث هم بالدرجة الأولى أولادنا، وعلينا أن نجد الحلول المناسبة لمشكلاتهم بما يتفق عليه داخل الأسرة وليس في المحاكم، التي يتعرض فيها الأبناء في بداية عمرهم لأنطمة وقوانين وأحكام قد تؤثر عليهم في المستقبل، ومن ثم فالهدف هو تجنيب هؤلاء الأحداث العقوبات لحماية مستقبلهم ومستقبل عائلاتهم مع ضمان إعادتهم إلى المسار الصحيح.

ولو عدنا إلى الوراء بضع سنوات لوجدنا أن هذه الظاهرة لم تكن منتشرة في مجتمع الإمارات، ولم يكن لها وجود يُذكر، فالتقاليد التي كانت سائدة كانت توجب على المراهق أو الحدث احترام الكبار، ومعالجة أية أخطاء ممكن أن يتسبب فيها في إطار أخوي داخل الأسرة أو فيما بين العائلات، وساعد على ذلك التماسك المجتمعي الذي كان يميز أبناء الإمارات، فكان الشخص ينظر إلى ابن جاره أو صديقه كأنه أبنه، فلا يرضى عليه سوء ولا كدر، وكان من السهل على الجار أن ينهر ابن جاره إذا أخطأ في أمر ما دون أن يسبب ذلك ضيقاً أو حنقاً لدى الجار، فالمسائل كانت تحل بهذه الطريقة، ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى العودة لقيمنا الاجتماعية الأصيلة التي تربينا عليها.

هذا ما يخص البنية الاجتماعية والأسرية، أما البنية التربوية فإننا بحاجة ماسة إلى إعادة الدور التربوي للمدارس إلى سابق عهده، وأن تعزز هذه المدارس من ترسيخ القيم الاجتماعية الصالحة لدى النشء وملء أوقات فراغهم بكل ما هو مفيد، خاصة في أشهر الصيف الطويلة؛ لأن المدرسة تعد البيت الثاني للطالب، فنحن من جيل استفاد كثيراً من القيم التي تعلمها في المراكز الصيفية التي تبدأ بعد انتهاء السنة الدراسية، وهذا ما لا نجده في أبنائنا اليوم، على الرغم من تعدد وسائل اللهو والترفيه وتنوعها، والتي لم تساهم في تعزيز القيم الصحيحة لدى الأبناء، بقدر ما ساعدت على إلهائهم عن أصول التربية السلمية والواقية لهم من الوقوع في سلوكيات قد تخرج عن إطارها الاجتماعي إلى الإطار الجنائي الذي يضع الحدث أو المراهق تحت طائلة القانون.

ويتحمل الإعلام عبئاً أكبر في مواجهة هذه الظاهرة من خلال توعية الأحداث والمراهقين، ولاسيما أن الإعلام بجانبه السلبي يفتح لهؤلاء المراهقين أحياناً أبواب الانحراف السهل بسبب استخدامه أساليب الإغراء والإثارة وإثارة الشهوات والغرائز كوسيلة جذب.

إن الحل الأنسب لمواجهة هذه الظاهرة يكمن في إدارة هذه البيئات الثلاث (الأسرة- المدرسة- الإعلام) بالشكل الذي يحمي المراهق في هذه المرحلة العمرية الحساسة من حياته، وفي ترسيخ القيم والمبادئ الأصيلة لديه، فعلى الأسرة ومؤسسة التربية والتعليم والقائمين على شؤون الإعلام الجلوس على طاولة مثلثة للخروج بحلول توافقية تساعد الأجهزة الأمنية على أداء دورها المهم لمواجهة هذه المشكلة، التي تعد مشكلة اجتماعية بالدرجة الأولى، وتحتاج إلى حلول اجتماعية وليست أمنية، فهذه الطاولة المنسقة بإمكانها القيام بما يقلل من التكلفة الاجتماعية من جراء التقليل من حوادث وقضايا جنح وجرائم الأحداث في المجتمع.

Share