طهران… مسار انحدار وقلة خيارات

  • 21 يونيو 2010

يستطيع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد وصف قرار مجلس الأمن رقم 1929 الذي فرض مجموعة جديدة من العقوبات على بلاده بأنه "ورقة متسخة يجب رميها في المهملات"، ويستطيع المرشد أن يتحدث في ذكرى الخميني واصفاً العالم أجمع، ومن ضمنه المرشحان الرئاسيان اللذان سرقت أصواتهما قبل عام، بأنه "خادم لمصالح الاستكبار والموساد"، لكن الجمهورية الإسلامية لن تستطيع بعد اليوم إخفاء بدئها عداً عكسياً في مسار انحداري لا أحد يدري طوله وسرعته حتى الآن.

فالصورة الانتصارية التي جهدت طهران لرسمها لسياستها وإيديولوجيتها منذ انتهاء الحرب العراقية- الإيرانية وعلى مدى عقدين من الزمن، أخذت تبهت بعد اصطدامها بحقائق سياسية جديدة لا تستطيع القبضات المرفوعة في الهواء ولا الحناجر المطلقة للشعارات تعديلها أو تزويرها. فهي ليست صناديق اقتراع يمكن أن يدس "الحرس الثوري" فيها آلاف الأوراق، ولن يحول دون ظهورها السجن والقمع والتهديد بإعدام المعارضين وتذكير خامنئي لهم بالتصفيات التي قادها آية الله خلخالي بُعيد انتصار الثورة ضد أبنائها قبل أعدائها الأصليين.

يمكن للماكينة الإعلامية الإيديولوجية التي تقود الحياة السياسية في إيران التحدث بخبث وابتسامة صفراء والإيحاء بأن القيادة الإيرانية خرجت منتصرة من جولة المواجهة الأخيرة مع الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي. فإذا كان مقياس الانتصار هو عدم السقوط إلى أسفل القاع، حقّ لنجاد الاحتفال. وإذا كانت المعارك تخاض بمعيار عدم تمكين الخصم من تحقيق كل الأهداف، فإنه يمكن لإيران وأدواتها إعلان النصر المؤزر وتوزيع الحلويات على نواصي الطرقات.

أما إذا كانت السياسة ومعاركها تحسب بمنطق الشعوب المتحضرة التي تقدر حجم الخسائر بمقدار خسارة فرص التقدم والإزدهار والسلم، فإن على حكام إيران إخفاء الوجوه والتستر والتوقف عن المكابرة وعن احتقار ذكاء الناس.

تستطيع إيران القول بأن واشنطن لم تستطع إحكام حلقة العقوبات التي كانت تريد فرضها. فقد ضاق فعلاً عدد الشركات والأفراد المشمولين بالعقوبات، ولم تحقق إدارة أوباما طموحها بفرض حظر على تصدير البنزين لإيران، ولم تتمكن من الحؤول دون متابعة الشركات الصينية النفطية أعمالها في الجمهورية الإسلامية والتي ستؤدي بعد سنوات قليلة إلى حل مشكلة البنزين نهائياً في هذا البلد. لكن واشنطن نجحت في عناصر أخرى يتضمنها قرار مجلس الأمن وأهمها منع تصدير التكنولوجيا المتعلقة بالنشاطات النووية، ومنع تصدير الأسلحة الاستراتيجية، وصولاً إلى تعطيل تسليم صفقة الصواريخ الروسية S-300، إضافة إلى ما كان متوقعاً من حظر التعاون مع "الحرس الثوري" الذي يشكل العمود الفقري للنظام، ليس على مستوى التسلح والأمن فحسب، بل على مستوى النشاط الاقتصادي والاستثمارات أيضاً.

فشل الرهان الإيراني على قدرة الولايات المتحدة في إقناع الصين وروسيا لتنضما إلى العقوبات. واعتقدت طهران أن "رشاوى" الاستثمارات التي تهديها للبلدين ستحول دون موافقة موسكو وبكين على معاقبة جارتهما التي ربطتها بالبلدين علاقات تاريخية ووثيقة، والتي نظر إليها الروس والصينيون باعتبارها قوة توازنٍ إقليمي تفيدهما في التنافس على النفوذ مع الأمريكيين في هذه المنطقة من العالم. وهي حتماً شعرت بخيبة أمل من الموقف الروسي والصيني الذي تدرج على مدى أشهر من الممانعة إلى القبول ووصل في الأيام الأخيرة إلى حد السجال العنيف بين نجاد وميدفيديف.

ولعل الخيبة الإيرانية الكبرى كانت من السقوط السريع للاتفاق الإيراني- التركي- البرازيلي الذي وقع قبل أيام من تصويت مجلس الأمن في الأول من يونيو الحالي على العقوبات. فالاتفاق الثلاثي الذي رعته أنقرة واعتبرته انتصاراً دبلوماسياً كبيراً لها لم يؤخذ بجدية لأكثر من ساعات، وما اعتقدته طهران من قدرة تلك الخطوة على كسب وقت إضافي يجنبها كأس التصويت في مجلس الأمن كان مجرد أوهام. فلا الولايات المتحدة صدَّقت أن ايران جادة في إفصاحها عن حجم اليورانيوم لديها أو نياتها المستقبلية، ولا تركيا والبرازيل تتمتعان بالثقل الدولي الذي يسمح بضمان الاتفاق، لذا بقيت سجادة الاتفاق التي صاغتها طهران مليئة بالثقوب ومجافية للمهارة التي تعودت أن تحوك بها خطواتها منذ افتتح الجدل حول برنامجها النووي قبل عدة سنوات.

تبدو إيران اليوم محبطة واقعياً على الرغم من أنها لا تزال تملك عدداً من الأوراق. فالرهان على الغرق الأمريكي في العراق يتضاءل إلى أدنى المستويات بعد قرار أوباما الحاسم بالانسحاب قبل نهاية العام. والرهان على أن تجمع واشنطن جنودها وتغادر أفغانستان لا يزال صعب المنال. أولاً؛ لأن الولايات المتحدة تتعامل مع هذا الملف بشكل مختلف عن ملف العراق لاختلاف ظروفه بالتشابك مع العامل الباكستاني الأساسي في هذا الإطار، وثانياً؛ لأن إيران ترتكب هناك أخطاء قاتلة من نوع دعم "القاعدة" ومجموعات تتسبب لها بعداوات وحساسيات. وفي هذا الإطار تشير المعلومات إلى أن أنقرة فاتحت طهران بالأمر ونبهتها إلى مغبة الاستمرار في هذه السياسة في أفغانستان.

واضح أن إيران فشلت في تخويف المجتمع الدولي من ردة فعلها إن فُرضت عليها عقوبات. فلا هي تمكنت من تحريك "حزب الله" على الجبهة الجنوبية للبنان رغم جهوزيته العسكرية والسياسية واستئثاره بقرار الحرب والسلم في الدولة اللبنانية المغلوبة على أمرها، ولا تمتلك كل أوراق "حماس" لتشعل حرب صواريخ جديدة في وقت لم تتمكن حكومة اسماعيل هنية حتى اليوم من إعادة إعمار ما دمرته عملية "الرصاص المصبوب" قبل 18 شهراً، ولا من لملمة الجراح التي تسببت بها المغامرات. ليس هذا فحسب، بل إن الأتراك جعلوا أنفسهم محور الأحداث بإرسالهم "أسطول الحرية" إلى شواطئ غزة، ودفعهم تسعة قتلى كانوا كفيلين بتحويل "بني عثمان" إلى قدوة لـ "الشارع العربي"، وبرفعهم إلى أعلى الدرجات، وبسرقة الأضواء من طهران التي تعهد حرسها الثوري بمواكبة مزيد من "أساطيل الحرية" لكنه تراجع عن القرار.

ولا يفوتنا بالطبع أن نشير إلى مشكلات الداخل الإيراني. فسلطة أحمدي نجاد لا تزال محل تشكيك رغم ضعف المعارضة، والوضع الاقتصادي يشي بعكس الروح الانتصارية التي يشيعها النظام، والعلاقة بين المرشد وقم لا تزال تشهد تجاذبات تحرم "الولي الفقيه" من الولاء لدى كثير من المرجعيات.

هكذا، لم يكن مستغرباً أن يعرض أحمدي نجاد على المجتمع الدولي "العودة إلى التفاوض" ولو أنه قرن العبارة بـ "شروط" هي لزوم إنقاذ ماء الوجه. فإيران تدرك بعد فرض العقوبات أن مرحلة جديدة بدأت، وأن زمن المناورات العسكرية واستعراضات الزوارق السريعة آخذ في الانحسار. فالسفن المتوجهة إليها ستخضع للتفتيش، وأي تصرف مغامر يجب أن يحسب له حساب.

 لن يكون أمام طهران خيارات كثيرة. فإما أن تفتعل اشتباكاً عسكرياً كبيراً بواسطة "حزب الله"، وهو أمر ليس سهلاً ويتضمن مخاطر حرب إقليمية لن ترغب دمشق بخوضها بالتأكيد، ولا يمكن لحزب الله البقاء وحيداً فيها يواجه آلة الدمار الإسرائيلية واعتراض اللبنانيين على إقحامهم في محور إقليمي، أو أن تقرر وقف برنامجها العسكري وتتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتفتح كل منشآتها أمام الرقابة والتفتيش، أو أن تحاول كسب مزيد من الوقت عبر أنصاف الحلول والسير على كل المسارات، أي أن تعود إلى فتح الحوار مع دول 5+1 وتحاول في الوقت نفسه إفراغ القرار 1929 من محتواه عبر إفشال تطبيقه بضمان ميوعة روسية وصينية مقصودة.

 لا شك في أن الخيار الأخير هو الأقرب لعقلية حكام إيران، لكنه ليس سهلاً ولا مريحاً لأنه يفترض سذاجة لدى الأمريكيين والأوروبيين لا يبدو أنها واردة في هذه الأيام، وتتطلب منطقاً متماسكاً وسلوكاً مقنعاً لدى طهران ليسا متوافرين حتى الآن.

Share