طلب العضوية الفلسطينية في الأمم المتحدة: المقدمات والتداعيات

  • 28 سبتمبر 2011

لم يكن الطلب الذي تقدم به منذ أيام رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى الأمين العام للأمم المتحدة لعضوية كاملة لـ "دولة" فلسطين في المنظمة الدولية طفرة في مسار النضال الفلسطيني، فقد مثل خطوة منطقية في تطور هذا النضال. بل يمكن  القول إن هذه الخطوة قد تأخرت كثيراً عن موعدها. ففي أعقاب نكبة 1948 وإعلان دولة إسرائيل على ما يتجاوز ما خصصه قرار التقسيم لها من الأراضي الفلسطينية، وتشريد معظم الشعب الفلسطيني خارج وطنه، لم يكن للنضال الفلسطيني من أجل استرداد الحقوق بصمة ترى في الواقع السياسي. فلم تكن فلسطين قد تمتعت بوضع الدولة بعد خروجها من الحكم العثماني لتقع في براثن الانتداب البريطاني مباشرة، ولذلك ربما كان الإحساس الجمعي بأن فلسطين مسؤولية عربية وإسلامية سبباً من أسباب عدم المسارعة إلى النضال لاستعادة الوطن، ولاسيما أن الرفض العربي والإسلامي لدولة إسرائيل كان شاملاً، وقد تكون الهزيمة العربية أمام إسرائيل في حرب 1948 وتوقيع الدول العربية المحيطة بها اتفاقيات الهدنة في1949 سبباً ثانياً، إضافة إلى أن المقاومة التحررية، وفق خبرة التاريخ، ليس من الضروري أن تبدأ فوراً في أعقاب الفعل الاستعماري، خاصة أن هذا الفعل كان في الحالة الفلسطينية شديد البشاعة في مواجهة أبناء الشعب الفلسطيني العزل.

هكذا اقتصرت أعمال المقاومة الفلسطينية لإسرائيل في السنوات التي أعقبت إعلان دولة إسرائيل مباشرة على أعمال فردية متفرقة وغير منظمة، وربما عشوائية أيضاً، ثم أعادت سنوات المد القومي العربي التي بدأت من منتصف خمسينيات القرن الماضي الأمل للفلسطينيين في رعاية عربية قوية لقضيتهم، وقد بدا أن هذا هو ما يحدث فعلاً، ففي سياق القمة العربية التي عقدت في القاهرة في يناير1964 لمواجهة مخاطر تحويل إسرائيل مجرى نهر الأردن قررت القمة أن تبحث إنشاء كيان سياسي يعبر عن الفلسطينيين، وأوكلت المهمة إلى المرحوم أحمد الشقيري الذي لم يتردد في أن يلتقي كافة تجمعات الفلسطينيين في الشتات لاستطلاع آرائهم ليصل إلى قمة الإسكندرية في1965– التي كان يفترض أن يقدم لها تقريراً عن إنشاء المنظمة- بمشروع كامل لإنشائها لا تنقصه إلا موافقة القمة، وهو ما حدث بالفعل ليتمتع الفلسطينيون بأول كيان سياسي يعبر عنهم، وكانت هذه دون شك هي أساس الحديث اللاحق فيما بعد عن إنشاء دولة فلسطينية.

وفي 1/1/1965 انطلقت أول رصاصة من حركة فتح التي حملت عبء النضال العسكري وحدها لعدة سنوات حتى اندمجت في منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1968، وأصبح قائدها ياسر عرفات هو رئيس المنظمة. غير أن عام 1967 شهد تطوراً خطيراً تمثل في استكمال إسرائيل احتلال باقي الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) في عدوانها على العرب في ذلك العام. هكذا ازدادت معضلة النضال الفلسطيني تعقيداً، وعندما وقعت حرب أكتوبر 1973 حدث تطور لافت، فقد أقرت قمة الجزائر التي عقدت في السنة نفسها من ناحية المبدأ فكرة إنشاء دولة فلسطينية على أية أراضٍ محررة، وأكدت هذا التطور في قمة الرباط في 1974 التي شددت على المبدأ نفسه مع تأكيد أن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وعلى مبدأ أن ما يقرره الفلسطينيون يقبل به العرب. وبدا هذا التطور طبيعياً اتساقاً مع صمود المقاومة الفلسطينية منذ هزيمة 1967 حتى السبعينيات، بمعنى أن النضال الفلسطيني قد نضج بحيث أصبح مستحقاً لدولة. لكن علامة استفهام خطيرة أثيرت بشأنه وتتعلق بما إذا كان هذا التطور يعكس رغبة الدول العربية في أن تنفض يدها من القضية الفلسطينية.

وفي 1976 اكتسبت فلسطين وضع الدولة من الناحية القانونية من وجهة النظر العربية، وانضمت بموجب ذلك إلى عضوية الجامعة العربية، وعلى الرغم من وجهة النظر التي ذهبت إلى عدم منطقية هذا التطور؛ لأن الجامعة لا تعطي العضوية الكاملة إلا للدول ذات السيادة بالفعل، فإن ذلك التطور اعتبر خطوة مطلوبة على طريق النضال الفلسطيني في تلك المرحلة، كما أنه لم يكن منبت الصلة بتحميل الفلسطينيين مسؤولية نضالهم.

استمر النضال الفلسطيني إذن مستنداً إلى كيان سياسي هو منظمة التحرير الفلسطينية وذراع عسكرية هي أعمال المقاومة. وفي نهاية 1987 تفجرت "انتفاضة الحجارة" في الأراضي المحتلة في عام 1967، وبدأت المشاعر الفلسطينية ضد الحكم الأردني للضفة تتصاعد؛ الأمر الذي أفضى إلى تطورين بالغي الأهمية في 1988، أولهما هو إعلان الملك حسين ملك الأردن فك الارتباط مع الضفة، وثانيهما إعلان الزعيم ياسر عرفات إقامة الدولة الوطنية المستقلة على الأراضي التي احتلتها إسرائيل في1967 بما فيها القدس الشرقية أمام المجلس الوطني الفلسطيني الذي انعقد بالجزائر في تلك السنة، وفي زخم الانتفاضة الفلسطينية.

جنى النضال الفلسطيني من هذا الإعلان تزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، لكن الظروف التي شهدها النظام العربي بعد ذلك وبالذات غزو العراق الكويت في1990 والموقف الفلسطيني الملتبس منه، وسعي الإدارة الأمريكية، التي أدّت الدور الأساسي في تحرير الكويت في نهاية فبراير1991، لعقد مؤتمر دولي لتسوية القضية الفلسطينية لمواجهة غضبة الرأي العام العربي من ازدواجية المعايير في السياسة الأمريكية- عقد هذا المؤتمر بالفعل في مدريد في أكتوبر1991– كلها تطورات انتهت بتوقيع الفلسطينيين في سبتمبر1993 اتفاقية أوسلو بكل ما لها وما عليها، غير أن عيبها الرئيس من منظور موضوع الدولة الفلسطينية أنها لم تنص صراحة على قيام دولة فلسطينية في نهاية المرحلة الانتقالية ومدتها خمس سنوات من بدء تنفيذ الاتفاقية، إنما تنتهي المرحلة بما "يتفق عليه الطرفان" أي إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. ولأن مفاوضات الوضع النهائي لم تتحرك للأمام قيد أنملة، فقد هدد الرئيس السابق عرفات بإعلان قيام دولة فلسطينية من طرف واحد، غير أن ضغوطاً أمريكية وأوروبية مورست عليه لعدم الإقدام على هذه الخطوة مصحوبة بوعود بإعطاء دفعة قوية للمفاوضات، لكن شيئاً من هذا لم يحدث.

وبعد وفاة الرئيس عرفات تولى محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية، وهو رجل يؤمن إيماناً مطلقاً بأن لا حل للقضية إلا من خلال التفاوض، غير أنه تأكد بعد سنوات من توليه الرئاسة أن لا جدوى من المفاوضات، ولأنه لا يؤمن سوى بالوسائل السلمية قرر أن يبادر إلى طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، وقد مورست عليه الضغوط نفسها التي عانى منها عرفات، مصحوبة بتهديدات بقطع المعونة الأمريكية للسلطة الفلسطينية والتي تقترب من نصف مليار دولار سنوياً، بالإضافة إلى تهديد إسرائيل بوقف تحويل نصيب السلطة من الضرائب الجمركية التي تحصلها السلطات الإسرائيلية لحساب السلطة الفلسطينية. غير أن الضغوط امتدت هذه المرة إلى داخل الضفة حيث كان البعض يخشى من تبعات تحدي الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وكذلك قطاع غزة الذي اعتبر قادة حماس فيه أن الخطوة خالية من أي مضمون، وذلك بالإضافة إلى موقف بعض البلدان العربية التي حاولت تثبيطه عن القيام بهذه الخطوة، غير أن الرجل واجه كل هذه الضغوط بإرادة لا تلين وأقدم على خطوته التاريخية.

تمثلت النتيجة الإيجابية الأولى لتلك الخطوة في الاستقبال غير العادي الذي استقبلت به كلمة عباس أمام الجمعية العامة، غير أن أحداً من المحللين العارفين أبجديات السياسة الدولية لا يشك لحظة في أن طلب العضوية الكاملة سيُرفض في مجلس الأمن بسبب الفيتو الأمريكي. لكن السلطة الفلسطينية تستطيع التوجه بعد ذلك إلى الجمعية العامة، حيث يتمتع طلبها بأغلبية مريحة تكسبها بسهولة وضع "الدولة المراقبة" بدلاً من "المنظمة المراقبة" الذي تتمتع به حالياً، وهو وضع سوف يتيح لها الانضمام إلى منظمات الأمم المتحدة، بما في ذلك المحكمة الجنائية؛ حيث تستطيع أن تلاحق فيها إسرائيل على ما ترتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني. غير أن المعنى الرمزي الأهم أن أراضي الضفة والقطاع ستتحول، بموجب قرار إضفاء وضع "الدولة المراقبة" على فلسطين، من أراضٍ "محررة" كما يزعم الإسرائيليون إلى أراضٍ محتلة تابعة لدولة أخرى.

غير أن الفلسطينيين سوف يجدون أنفسهم بعد هذه الإنجازات القانونية المهمة مطالبين بالبحث عن بدائل إضافية للنضال، فماذا لو صدر قرار الجمعية العامة لصالح فلسطين بينما تستمر إسرائيل في عملية الاستيطان المتسارع في أراضي "الدولة" الفلسطينية؟ لا يمكن للمرء بطبيعة الحال أن يتصور احتمال أن يهنأ الفلسطينيون "بالدولة المراقبة" فيما تتآكل أراضيهم يوماً بعد يوم بفعل الاستيطان، ولذلك يتعين عليهم التفكير في استراتيجية بديلة للنضال حتى لو بقيت هذه الاستراتيجية سلمية. ونقطة البداية في التوصل لهذه الاستراتيجية هي دون شك إعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية وحضور أكثر فعالية للشعب الفلسطيني في ساحة النضال.

Share