طريق أنور إبراهيم الشاقّ نحو السلطة في ماليزيا

  • 30 سبتمبر 2020

يُمثّل إعلان زعيم المعارضة ونائب رئيس الوزراء الأسبق، أنور إبراهيم، حصوله على «أغلبية قوية» في البرلمان تتيح له تشكيل حكومة جديدة، خطوة مهمة على طريق مساعيه المتواصلة لتولي رئاسة الحكومة بعد أكثر من عقدين من الكفاح المرير مع السلطة؛ فهل يستطيع فعلًا تشكيل الحكومة؟ وما العقبات التي يمكن أن تقف في طريقه؟

تعود قضية تولي أنور إبراهيم رئاسة الحكومة الماليزية إلى أواخر التسعينيات من القرن الماضي عندما كان يتولّى منصب وزير المالية ونائب رئيس الوزراء الماليزي آنذاك مهاتير محمد؛ حيث كان يُعتبر الرقم الثاني من دون منازع. ومع تزايد شعبيته، خاصة بين الشباب والطلبة، برز مرشحًا لخلافة مهاتير بقوة؛ خاصة بعد أن بدأ أنور ينأى بنفسه عن مهاتير الذي كانت شعبيته تتراجع، وأخذ يروج علانية لأفكاره وقيمه الدينية العليا؛ وكان يسعى إلى تخفيف القيود المفروضة على بعض الحريات المدنية في أواخر عهد مهاتير. ومع ذلك بقي مهاتير داعمًا علنًا لأنور إبراهيم كخليفةٍ له، حتى تدهورت علاقتهما بشكل متسارع خلال الأزمة المالية الآسيوية عام 1997؛ وظهرت خلافات حادة بين الاثنين حول طريقة التعامل مع الأزمة؛ إذ كان إبراهيم يرى ضرورة الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بينما كان مهاتير يرفض هذا بشكل قاطع، وتخلى كليًّا عن السياسات النقدية والمالية الصارمة التي حثّ عليها الصندوق في بداية الأزمة، وتوجه شرقًا إلى اليابان التي أعلنت حزمة مساعدات ضخمة، وكانت ماليزيا أول دولة في المنطقة تتعافى من تلك الأزمة بسبب سياسة مهاتير، وتدخُّله في تثبيت سعر الصرف ودعم البنوك، ورفضه وصفة صندوق النقد. وتفاقمت الخلافات بينهما حول ملفات الفساد والاقتصاد، فقام مهاتير بطرد أنور إبراهيم من الحكومة في سبتمبر 1998، ما أثار موجة احتجاجات شعبية.

وفجأةً ظهر الحديث عن فساد أنور إبراهيم، ووُجّهت له تهم بالمثلية أُدين فيها، ولكن كان يُعتقَد على نطاق واسع أن وراء ذلك دوافع سياسية؛ إذ كان يوجد لأنور منافسون له في الحكومة، أولهم نجيب رزاق الذي أصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء؛ وفي هذه الأثناء قامت زوجته «وان عزيزة بنت وان إسماعيل» ومعها الأكاديمي والسياسي المعروف تشاندرا مظفر بتأسيس حزب العدالة الذي نافس في الانتخابات العامة عام 1999، ولكنه لم يحقق نتائج جيدة؛ إذ بقي الحزب الحاكم هو المُسيطر. وفي عام 2004 نقضت المحكمة العليا الحكم الصادر ضد أنور إبراهيم وأُطلِق سراحه؛ ليقود الحزب، بعد اندماجه مع حزب الشعب الماليزي، في انتخابات عام 2008 التي حقق فيها نتائج جيدة، ولكنه لم يفُزْ بالغالبية التي تمكنه من تشكيل الحكومة؛ بينما تجدّدت الاتهامات ضده بالمثليّة في العام نفسه في محاولةٍ لإقصائه بحسب ما يبدو؛ إذ كان يُشكّل تهديدًا حقيقيًّا لرئيس الوزراء نجيب رزاق وحزبه «أمنو»؛ ولكن المحكمة العليا عادت ونقضت الاتهامات عام 2012؛ وعاد إبراهيم مجددًا وقاد ائتلافًا مكونًا من ثلاثة أحزاب في انتخابات عام 2013، وحقق نتائج جيدة ولكنها لم تكن كافية أيضًا لتولي منصب رئيس الوزراء.

وبينما ازداد الحديث عن الفساد في حكومة نجيب رزاق، ومع تفجُّر الفضيحة المالية في الصندوق السيادي الماليزي، بَدَت الظروف مُهيّأةً أكثر من أي وقت مضى من أجل العودة بقوة؛ ولكن الفوز بالغالبية لم يكن مضمونًا؛ وكان واضحًا أنه لا بد من تحالف قوي لهزيمة الحزب الحاكم. وبالفعل جاءت المفاجأة التي لم يكن يتوقعها أحد، وهي إعلان رئيس الوزراء السابق وخصم أنور إبراهيم اللدود مهاتير محمد عزمه خوض الانتخابات بهدف مكافحة الفساد الذي امتدّت أبعاده وتداعياته خارج البلاد؛ فقام مهاتير بتأسيس حزب «سكان ماليزيا الأصليين المتحدين» (بيرساتو) بزعامته، ورئاسة محيي الدين ياسين (رئيس الوزراء الحالي)، لينضم إلى كتلة المعارضة المعروفة بـ «تحالف الأمل»، المُكوّن من ثلاثة أحزاب أخرى؛ هي حزب العدالة الشعبية وحزب الحركة الديمقراطية وحزب الاستئمان الوطني، لينافس الائتلاف الوطني المعروف باسم «باريسان ناشونال» أو الجبهة الوطنية بقيادة نجيب رزاق، الذي كان يواجه تهمًا بالفساد وارتكاب مخالفات بمليارات الدولارات، في الانتخابات العامة التي جرت في 9 مايو 2018؛ وتمكن التحالف من هزيمة ائتلاف الجبهة الوطنية الذي حكم البلاد منذ الاستقلال عام 1957. وقد فاز التحالف بالفعل؛ إذ حصل على 113 من أصل 222 مقعدًا برلمانيًّا، وهو ما أهّله لتشكيل حكومة جديدة؛ وأصبح مهاتير محمد البالغ من العمر آنذاك 92 عامًا رئيس وزراء للمرة الثانية؛ وكان هذا التعيين بناء على وعد بتسليم السلطة بعد سنتين لأنور إبراهيم.

ولكن مع اقتراب الموعد النهائي المُحدد بمدة عامين؛ لم يكن مهاتير كما يبدو مستعدًّا لذلك؛ ليس رغبة في الاستمرار في الحكم، ولكنه كان يعمل على برنامج إصلاح وطني شامل. وعليه؛ فقد كشف في فبراير 2020، بعد اجتماع المجلس الرئاسي لتحالف الأمل الذي ناقش مسألة انتقال السلطة، أن تسليم السلطة سيتمُّ بعد مؤتمر التعاون الاقتصادي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ (آبيك)، من دون تحديد تاريخ لذلك. وبدأت تبرز أزمة في ائتلاف تحالف الأمل الحاكم، فقرر مهاتير الاستقالة من منصبيه كرئيس للوزراء وكزعيم للحزب أيضًا؛ وهذا القرار أدى إلى انقسام حزب «سكان ماليزيا الأصليين المتحدين» إلى معسكرين؛ أحدهما يدعم مهاتير الذي استقال من منصب زعامة الحزب، والآخر يدعم محيي الدين ياسين المتأهب للصعود، الذي كان أصلًا نائبًا لنجيب قبل أن يتمّ عزله وحتى إلغاء عضويته من «أمنو» عام 2015، بسبب تصريحاته حول طريقة تعامل نجيب رزاق مع فضيحة الصندوق السيادي الماليزي؛ فقام بصفته رئيسًا لبيرساتو بسحب الحزب من تحالف الأمل، وتواصل مع أحزاب المعارضة، بما في ذلك «أمنو»، لكسب الدعم لترشيحه لمنصب رئيس الوزراء المقبل؛ بينما استقال 11 عضوًا من حزب العدالة من البرلمان بمَن فيهم العديد من وزراء الحكومة ليُصبحوا أعضاء برلمانيين مستقلين.

وفي هذه الأثناء، حصلت تطورات أخرى دفعت الملك عبدالله أحمد شاه إلى التريث في هذا الأمر؛ بينما عقدت أحزاب سياسية عدة، بما فيها حزب منظمة الملايو الوطنية المتحدة (أمنو) والحزب الإسلامي لعموم ماليزيا (باس)، اجتماعات منفصلة وسط حديثٍ عن استعداد الحزبين لتشكيل ائتلاف يمكنهما من تشكيل حكومة جديدة. وهذا كله أضعف موقف مهاتير الذي كان يأمل أن يُعيد الملك تسميته، على أساس أنه كان لا يزال يملك الغالبية في البرلمان؛ وفاجأ الملك الجميع باختياره محيي الدين ياسين خلفًا لمهاتير؛ وهو ما أثار الأزمة مجددًا. ومنذ ذلك التاريخ والبلاد تشهد حالة من الاضطراب السياسي؛ فكثّفت المعارضة التي يقودها أنور إبراهيم مساعيها من أجل تغيير هذا الواقع، الذي لا يكون إلا من خلال تغيير خريطة البرلمان، وضمان فقدان محيي الدين للثقة؛ وهذا ما أعلنه إبراهيم، الذي أكد أن لديه ما يكفي من أجل تشكيل حكومة جديدة برئاسته.

ولكن السؤال المهم هنا: هل اقترب أنور إبراهيم فعلًا من السلطة؟ أم أن الطريق لا يزال ملبدًا بالعقبات؟
الحقيقة أن الجواب عن هذا السؤال ليس سهلًا؛ فما أعلنه إبراهيم من حصوله على «أغلبية قوية» من النواب في البرلمان ليس كافيًا من حيث المبدأ لإقناع الملك بتسميته رئيسًا للوزراء، ومن ثَم إطاحة محيي الدين ياسين؛ خاصة أنه ليس من المعروف بعدُ، ما الأطراف أو الأحزاب التي تدعمه. وهناك حديث عن أن شريكه قد يكون حزب «أمنو» الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء الأسبق نجيب رزاق؛ ولكن لا توجد أي مؤشرات فعلية إلى ذلك؛ كما لا توجد أي مؤشرات إلى إمكانية التحالف مجددًا مع مهاتير الذي يلوم إبراهيم على انهيار حكومته الأخيرة؛ لأنه استعجل عملية انتقال السلطة؛ وهذا ما جعل البرلمان مقسومًا بين ثلاثة تيارات أو اتجاهات: واحد مع الحكومة، وآخر مع مهاتير، والأخير مع أنور إبراهيم. وفي مثل هذه الحالة قد يجد الملك نفسه مضطرًّا إلى حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، قد تساعد إبراهيم على تحقيق انتصار، ولكن لا يُتوقَّع أن يحصل وحده على الأغلبية المطلقة لتشكيل حكومة، وسيكون لزامًا عليه عندها البحث مجددًا عن تحالفات.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات