طبيعة الرهانات القائمة في المنطقة الحدودية بين سوريا وتركيا

  • 21 يونيو 2020

سمحت الحدود السورية-التركية لتركيا بلعب دور أكبر في سوريا، وتحقيق طموحاتها في المنطقة، كما يقول خضر خضّور، الباحث غير المقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، في تحليل نشره على الموقع الإلكتروني للمركز.

وقّعت روسيا وتركيا في مارس 2020 اتفاقاً لوقف إطلاق النار في إدلب، بعد الحملة العسكرية العنيفة التي شنّها النظام السوري وقواته المسلحة لاستعادة السيطرة على مناطق شاسعة في شمال غرب سوريا. وتنصّ بنود الاتفاق على أن تحتفظ تركيا بموطئ قدم في إدلب؛ ما يعني أنها ستتحكم فعلياً في دفة الاقتصاد المحلي، وخاصة أن الأتراك أطلقوا مشاريع استثمارية كبيرة في المنطقة، ونشروا أعداداً ضخمة من القوات في إدلب. وقد تفضي هذه الخطوات في نهاية المطاف إلى إنشاء منطقة حدودية بين تركيا وسوريا، بعد أن يربط الجيش التركي المناطق المختلفة التي باتت تحت سيطرته في شمال سوريا بعضها ببعض.

وحتى الآن، أدّت العمليات العسكرية التركية إلى إقامة 4 مناطق حدودية سُمّي كل منها تيمّناً بالعملية العسكرية التي نفّذتها أنقرة للسيطرة على الأراضي. فقد نجم عن عملية «درع الفرات» في العامين 2016 و2017 إحكام تركيا قبضتها على محافظة حلب الشمالية؛ وفي عام 2018، سيطرت على محافظة حلب الشمالية الغربية في أعقاب عملية «غصن الزيتون»؛ ثم في عام 2019، سعت تركيا من خلال عملية «نبع السلام» إلى احتلال مناطق واقعة شرق الفرات؛ وفي عام 2020، أطلق الجيش التركي عملية «درع الربيع» في إدلب.

ويُشار هنا إلى أن ديناميكيات الحرب السورية تبدّلت جذرياً بعد بدء التدخل العسكري الروسي في عام 2015، حيث وضع هذا التدخل حدّاً للجهود الجدّية الرامية إلى تغيير نظام الأسد، ودفع المتمرّدين، بما في ذلك المجموعات الإسلامية المتشددة، شمالاً نحو المناطق المحاذية للحدود التركية. ونتيجة لذلك، يتمركز اليوم عشرات الآلاف من المسلحين بالقرب من الحدود التركية، كما أن عدد السوريين المقيمين في تركيا يبلغ حالياً 3.6 مليون نسمة، يقطن 1.5 مليون منهم في المدن الواقعة على الحدود الجنوبية أو بجوارها، ومن ضمنها غازي عنتاب، وكلس، وهاتاي، وأورفة. ويعيش نحو مليوني سوري آخرين على الجانب السوري من المنطقة الحدودية.

وسجّل السوريون نحو 3 آلاف شركة تجارية في تركيا، العديد منها في إطار شراكات مع الأتراك؛ لتوزيع منتجاتهم وسلعهم في هذه المناطق الحدودية السورية الأربع، ومنها إلى جميع أنحاء البلاد. إذن، لا شكّ أن سيطرة تركيا على هذه المناطق ستؤثّر بشكل كبير في الاقتصاد السوري المحلي.

المعبران الحدوديان الرئيسيان بين سوريا وتركيا هما معبر باب السلامة، الذي يصل محافظة إدلب بمحافظة هاتاي التركية، ومعبر باب الهوى، الذي يصل شمال حلب بمحافظتَي كلس وغازي عنتاب. وهذان المعبران هما بمنزلة شريان حياة لتلك المناطق الواقعة في شمال سوريا وغير الخاضعة لسيطرة نظام الأسد، وهما من المسالك الرئيسية للأشخاص والسلع. صحيح أن ثلث الشعب السوري يرتبط بطريقة أو أخرى بتركيا اقتصادياً وإدارياً، إلا أن السوريين ما زالوا يعملون في داخل المشهد الاقتصادي السوري. أما على الصعيد العسكري، فيبدو أن الحرب في سوريا وصلت إلى خواتيمها؛ فوفق الاتفاق المُبرم في مارس الماضي، سيسيطر نظام الأسد على الطريقين السريعين الدوليين M4  وM5، اللذين يربطان مدناً رئيسية كحلب ودمشق واللاذقية بعضها ببعض وبشرق البلاد أيضاً. بيد أن سيطرة النظام لن تتمدّد إلى الحدود مع تركيا.

وبالتالي، لن تكون المنطقة التي تسيطر عليها تركيا في شمال سوريا جزءاً من سوريا ولا من تركيا أيضاً، بل ستصبح بمنزلة منطقة عازلة بين الطرفين، وستلعب في الوقت نفسه دوراً اقتصادياً مهماً. فعلى الجانب التركي، في محافظات كغازي عنتاب وكلس وهاتاي، تجمع روابط اقتصادية وثيقة بين العديد من الأتراك والسوريين المقيمين على الجانب الآخر من الحدود. وعلى هذا الأساس، ستجلب هذه المنطقة العازلة فوائد اقتصادية كبيرة لكلا الجانبين، إذ إن الأتراك والسوريين المقيمين على جانبي الحدود يقيمون منطقة تكون فيها ممارسة الأنشطة التجارية عملية آمنة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات