ضرورة الـحفاظ على الوحدة في‮ ‬ليبيا

  • 5 يناير 2012

خطت ليبيا خلال الفترة الأخيرة العديد من الخطوات المهمّة على طريق ترتيب الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في مرحلة ما بعد نظام القذافي، حيث شكّلت حكومة انتقالية، وأعلنت خطة لدمج الميليشيات المسلحة التي قاتلت للتخلّص من النظام السابق في الجيش الوطني، وغيرهما من الخطوات الإيجابية، وهذا أشاع حالة من الارتياح على الساحتين الليبيّة والدوليّة، حيث ساد الانطباع بأن ليبيا تسير في الطريق الصحيح. لكن المصادمات التي جرت يوم الثلاثاء الماضي بين بعض الفصائل المسلّحة، وأسفرت عن سقوط عدد من القتلى والجرحى، أثارت القلق على مستويات مختلفة، لأسباب كثيرة، أولها، أن مثل هذه المصادمات يمكن أن تعطّل خطة دمج الميليشيات المسلحة في الجيش الوطني المركزي. ثانيها، أن ليبيا تعاني منذ سقوط نظام القذافي مشكلة الانتشار الكبير للسلاح، وهذا من شأنه أن يفاقم النتائج السلبيّة لأي انخراط في العنف أو المواجهات المسلحة. ثالثها، أن المواجهات بين الفصائل المسلّحة تسيء إلى حالة الأمن والاستقرار في البلاد، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى هذا الاستقرار من أجل إنجاز مهام المرحلة الانتقاليّة ومسؤولياتها، وهي مهام كبيرة، وتحتاج إلى أكبر قدر من التضامن والتعاون بين القوى والتيارات الليبية كلّها.

إن أخطر ما يمكن أن يواجه ليبيا الجديدة في مرحلة ما بعد القذافي أن تنزلق إلى صدامات داخليّة، وأن توجه الفصائل الليبية المختلفة أسلحتها إلى صدور بعضها بعضاً، وأن يعلو صوت السلاح فوق صوت الحكمة والمصلحة الوطنيّة العليا التي يجب أن يجتمع حولها الجميع خلال هذه المرحلة الانتقالية المهمّة من تاريخ البلاد.

لقد بذل الشعب الليبي تضحيات كبيرة من أجل التخلّص من نظام القذافي، والآن جاءت مرحلة البناء وإعادة الإعمار، وهي مرحلة لا تقلّ التحديات فيها عن تلك التي واجهت الليبيين في المعركة مع النظام السابق، وإذا كانت هناك خلافات في المواقف ووجهات النظر بين القوى المختلفة، فإن هذا أمر طبيعيّ، ويمكن أن يكون إيجابياً ويرفد العمل الوطني الليبي بالمزيد من الأفكار والتصوّرات والأطروحات المفيدة، لكن الخطر أن تتحول هذه الخلافات إلى صراع مسلح يمكن أن يعصف بالمكاسب كلّها، التي تحققت خلال الفترة الماضية، ويغرق البلاد في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، ويجهض آمال الليبيين بمستقبل أفضل في دولة قوية ومستقرة ومتطوّرة.

 لقد لعبت الفصائل المسلّحة دوراً مهماً في إسقاط نظام القذافي، والآن من الضروريّ أن تندمج في النظام الجديد، وتساعد على عبور المرحلة الانتقاليّة بسلام، ولا تتيح لأيّ خلافات في ما بينها، مهما كانت شدتها ودرجة التعقيد التي تنطوي عليها، أن تدفعها إلى أن تقاتل بعضها بعضاً، لأن ما تحتاج إليه ليبيا الآن ليس سقوط المزيد من الضحايا في صراعات عبثيّة، وإنما التعاون والتعاضد من أجل بناء المستقبل الذي يتطلّع إليه الليبيون وضحّوا من أجله بدمائهم.

Share