ضبابية التجارة وخروج بريطانيا من «الاتحاد» تخفضان توقعات النمو

  • 28 يوليو 2019

للمرة الثانية خلال هذا العام، والرابعة منذ أكتوبر الماضي، يشير صندوق النقد الدولي إلى توقعاتٍ بانخفاض نمو الاقتصاد العالمي، من جرّاء احتمالات بفرض المزيد من الرسوم الجمركية الأمريكية على الصين، وخروج بريطانيا غير المنظم من الاتحاد الأوروبي.
صندوق النقد الدولي توقع مؤخراً، ولأسباب عدّة، حدوث مزيد من تباطؤ النمو العالمي، وضعف الاستثمار وتعطيل سلاسل الإمداد، نتيجة اشتداد المخاطر؛ كتباطؤ التضخم الذي أدى إلى نشاط اقتصادي ضعيف، إضافة إلى التوترات التجارية والتكنولوجية، وضغوط الانكماش المتنامي للأسعار، وتراجع نمو حجم التجارة العالمي، الذي سجّل أبطأ وتيرة له منذ عام 2012، فضلاً عن تباطؤ الاقتصادات الآسيوية الناشئة؛ حيث قال الصندوق في تقرير نُشِر له قبل أيام، إن التوقعات بشأن النمو تأتي باتجاه الانخفاض إلى 3.2% خلال عام 2019، و3.5% خلال العام المقبل.
ويرى الصندوق أن الاقتصاد العالمي يقع الآن عند «مفترق دقيق»، حيث تفيد تقديراته بأن الرسوم الجمركية المفروضة منذ العام الماضي، قد تخفّض الناتج الاقتصادي العالمي إلى نحو 0.5% في عام 2020، كما يشير حدوث التباطؤ المفاجئ في الصين، وعدم تعافي منطقة اليورو وخروج بريطانيا دون اتفاق من الاتحاد الأوروبي وتفاقم التوترات الجيوسياسية، إلى أن التعافي العالمي بات بحاجة إلى العمل على مستويات متعددة لخفض التوترات التجارية، وتبديد الضبابية بشأن اتفاقات التجارة بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وبذل الجهد لتفعيل قواعد منظمة التجارة العالمية، وخاصة قضايا الدعم والملكية الفكرية وتجارة الخدمات، وتحديثها لتغطي الخدمات الرقمية ونقل التكنولوجيا.
يمكن القول إن توقعات صندوق النقد الدولي جاءت متشائمة بشأن النمو العالمي، لكون العلاقات الاقتصادية بين القوى الاقتصادية الكبرى دخلت مرحلة من التعقيد والتشابك، فرسوم الولايات المتحدة على الصلب والألمنيوم تسببت بخسائر لقطاع الصناعات التحويلية العالمي، كما أن ارتفاع دين الاقتصادات المتقدمة والناشئة، أثّر بشكل كبير في نمو الاقتصادات الوطنية لتلك الدول سلبياً، ما يستدعي إقرار سياسات مالية تركز على احتواء الديون، وإعطاء الأولوية لتوفير هوامش احتياطية كافية من رأس المال والسيولة فيها، والإنفاق على البنية التحتية والنفقات الاجتماعية، لأهمية ذلك في تحقيق أهداف التنمية المستدامة في هذه الدول.
كما تأتي التوقعات بانتقال الاقتصادات نحو مسارات من التقلب والزعزعة، وتأثيرها سلبياً في الاقتصاد العالمي والاسواق العالمية، من جرّاء تزايد حدّة الظروف الجيوسياسية في الإقليم والعالم، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ حيث الاقتصاد الإيراني معرض للانكماش خلال هذا العام، بسبب العقوبات الأمريكية، بنسبة قد تصل إلى 6%، بعد أن سجّل انكماشاً بنحو 4% في عام 2018، وهو ما ينطبق على مجموعة من دول الإقليم تعاني التوترات ذاتها، كالعراق وسوريا واليمن.
يرى خبراء ومتخصصون أن قضايا النمو والاستدامة، باتت بحاجة كبيرة إلى توثيق التعاون العالمي بشأن تسوية التوترات التجارية والتكنولوجية، والعمل بشكل مشترك على معالجة قضايا أساسية؛ كالتغير المناخي والأمن الإلكتروني والفساد، واتخاذ سياسات نقدية تيسيرية، وتسهيل حركة تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الصاعدة، وإصلاح النظام الضريبي على الشركات الدولية، وتعزيز شبكة الأمان المالي العالمية، وإنشاء نظام تجاري أكثر انفتاحاً وشفافية، لأثره الإيجابي في رفع مستويات المعيشة وخلق وظائف جديدة بأجور مجزية، ما يزيد الناتج الإجمالي ويقوّي الصلابة الاقتصادية.
لقد كان لسياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، «أمريكا أولاً» ولجوئه إلى الحمائية التجارية دوراً كبيراً في التأثير على النمو سلبياً، لإضرارها بمنسوب الثقة المتبادلة بين الدول، وتقليصها فرص التعاون المتعدد الأطراف، وتسببها بتفاقم الاختلالات الداخلية لاقتصاد الدول التي رزحت تحت وطأة الرسوم، وإضعاف إصلاحاتها الهيكلية الضرورية، نظراً إلى توجه أولوياتها نحو معالجة آثار تلك الحمائية التي رفعت أسعار المنتجات، كما أنها أحدثت انكماشاً في بعض القطاعات، على رأسها الصناعات التحويلية والقطاعات التي تعتمد على التكنولوجيا، حتى أصبح العالم يشهد حالة من عدم اليقين بشأن السياسات الاقتصادية المتخذة من الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، نتيجة افتقاد الثقة بتغير سياساتها الاقتصادية، وهروب الاستثمارات، وانخفاض عائدات الشركات، وتزايد معدلات التضخم والبطالة.

Share