صور صدام ومعايير الإعلام العربي

  • 23 مايو 2005

أثار نشر صور صدام حسين في سجنه بصحيفة "الصن" البريطانية قدرا كبيرا من الجدل بين مؤيد ومعارض، وتفاوتت التفسيرات والتحليلات حول انعكاسات عملية النشر، وبعيدا عن حفلات التأييد والشجب والاستنكار والحروب الكلامية بين مؤيدي النشر ومعارضيه، فإن الملاحظ أن الإعلام العربي خرج من هذا الجدل بإدارة نقاش استثنائي جانبي حول "القيمة الإخبارية" لهذه الصور، باعتبار ذلك هو المحدد الرئيسي الذي يبرر عملية النشر. فالبعض يرى أن هذه الصور تنطوي على قيمة إخبارية عالية، ويسوق من الأمثلة والوقائع والأسانيد ما يدعم رأيه ويبرره، بينما يرى آخرون أن هذه الصور خالية من أي قيمة إخبارية يمكن أن توفر غطاء أخلاقيا أو مهنيا لنشرها، ويسوق أيضا من نظريات الإعلام وآراء أساطين الصحافة مايعزز موقفه ويدعمه. ونحن هنا لا نكتب كي ننتصر إلى هذا الرأي أو ذاك، ولكن لنؤكد أن الدرس المستفاد من هذا الجدل والتباين المهني في الآراء نابع بالأساس من حقيقة مفادها، عدم وجود إعلام موضوعي بنسبة مائة بالمائة أو بمعنى آخر أنه ليس هناك إعلام يعمل في بيئة خالية تماما من الأهداف، سواء كانت تلك الأهداف سياسية أو اقتصادية أو تمويلية أو غير ذلك، ولكن الثابت أن ظهور تلك الأهداف ضمن محتوى الرسالة الإعلامية سواء من حيث الاختيار أو الصياغة أو تحديد أولويات البث أو النشر يختلف تبعا لمهنية المرسل وخبرته وذكائه الإعلامي وأيضا طبيعة الرسالة ذاتها وموقفه تجاهها. وبالتالي فإن من نشر الصور رأى فيها مايتماشى مع وجهة نظره المهنية أو ما ينسجم مع قناعاته السياسية، وفي المقابل رأى من حجب الصور عن النشر أنها خالية من أي مضمون خبري أو أنها تتنافى -من جهة نظره- مع معايير المهنية والموضوعية.

وهذه الحالة تثبت بوضوح تباعد المسافة بين الإعلام العربي ونظيره في الغرب، ففي الإعلام العربي يتم في أغلب الأحوال قولبة الأداء الإعلامي أو بالأحرى "تسييسه" كي يتماشى مع سياسات التحرير وأهداف الوسيلة النابعة بالأساس من أهداف جهة التمويل سواء كانت خاصة أو حكومية أو غير ذلك، أما في الإعلام الغربي فهناك ميل بدرجة كبيرة للمهنية وتركيز كبير على استقطاب مزيد من الجمهور للوسيلة انطلاقا من تحول الإعلام إلى "صناعة" اقتصادية، كجزء من ثقافة سائدة، وبالتالي فإن الانتصار بالنهاية يكون في أغلب الأحوال للقواعد العلمية التقليدية التي تدرس في السنوات الأولى بمعاهد الإعلام، والتي ترى أن الخبر هو ما ينطوي على شيء أو أمر غير تقليدي.

صحيح أن بعض وسائل الإعلام العربية قطعت شوطا لا بأس به على طريق التعامل المهني مع الأحداث، ولكن الأيديولوجية والقوالب الجامدة والخلفيات الثقافية لم تزل تطغى في كثير من الأحيان على عملية النشر وترتيب أولويات النشر والبث، ناهيك عن دورها الواضح في صياغة الأخبار و"تلوينها" تحريريا بما يتماشى مع أهداف القائم بالاتصال أو سياسات الوسيلة بحيث لا تستطيع بالنهاية تصنيف الرسالة الإعلامية بأنها غير موجهة أو غير متحيزة.

الخلاصة أن معايير الإعلام مطاطية زئبقية ولكنها بالنهاية تتقاطع مع رغبة الوسيلة في كسب احترام جمهورها بحيث يصبح الاحتكام بالنهاية إما للجمهور أو لأهداف الوسيلة مهما كانت.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات