صندوق النقد: بوادر أزمة مالية عالمية في الأفق

  • 20 ديسمبر 2018

في ظل تزايد الاضطرابات السياسية، وتقلص النشاطين التجاري والصناعي العالمي، وما أنتجاه من انخفاض في معدلات النمو، حيث لا تزدهر هذه المعدلات إلا في ظروف السلم والأمن الدوليين، فضلاً عن تزايد مؤشرات النزاعات التجارية بين الدول، وما سببه ذلك من تحديات اقتصادية، فإن صندوق النقد الدولي ينذر ببوادر أزمة مالية تلوح في الأفق.

ومؤخراً أطلق صندوق النقد الدولي تحذيرات تقول إن المناخ الاقتصادي والتجاري السائد في الفترة الأخيرة ينبئ بتباطؤ في معدلات النمو الاقتصادي، حيث من المتوقع حدوث تراجع في معدلات خلال عام 2019، وتحديداً في دول الاقتصادات الناشئة، وما يرافقه من تراجع كبير في أسعار النفط العالمية، التي ستقف حاجزاً أمام تحقيق معدلات نمو جيدة، وخاصة في الدول التي تعتمد عائداتها على النفط.
وحذر صندوق النقد الدولي من ظهور بوادر لأزمة مالية جديدة تلوح في الأفق، يزيد من خطورتها عدم استعداد الحكومات والبنوك المركزية للتصدي لهذه الأزمة؛ حيث أطلق الصندوق تحذيراته تلك جرّاء مؤشرات اقتصادية عدة؛ أبرزها: ارتفاع نسبة الدين العالمي، الذي وصل إلى 121 تريليون دولار، فيما وصل الناتج القومي للعالم إلى 100 تريليون دولار، ما يشير إلى ارتفاع الديون قياساً للناتج العالمي، وهو ما يتضح من خلال ارتفاع العوائد على السندات، وإصدار السندات بشكل متسارع عالمياً.
وأشار الصندوق إلى توقع بحدوث ما يسمى «فقاعة السندات» نتيجة ارتفاع معدلات الدين العام العالمي، والتي إن تفجرت سيكون لها تأثيرات حادة في الاقتصاد العالمي، لكنها ستكون أقل شدّة من فقاعة أو أزمة عام 2008 برغم قوتها؛ كما ستكون أقل تأثيراً على الدول ذات الدين العام المنخفض. وجاءت تحذيرات صندوق النقد أيضاً نتيجة التخوف من فرض مزيد من التعرفات الجمركية والتدابير المضادة التي ستؤثر سلبياً في الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي.
ووفقاً لتلك التحذيرات، فإن خبراء يؤكدون ضرورة تبني الدول والكيانات الاقتصادية إصلاحات في الأنظمة التجارية العالمية، فالحل برأيهم لن يتحقق بتقويض تلك الإصلاحات، إنما بالتوصل إلى حلول تنتهجها الدول ذات النزاعات التجارية، وأهمها: الولايات المتحدة والصين، بوصفهما أكبر اقتصادين عالميين. فالسياسة التي انتهجها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعرفات جمركية مرتفعة على السلع المستوردة من الصين، ورفع أسعار الفائدة الأمريكية خلقت حالة من البلبلة في عملات الأسواق الناشئة، إذ تقوم الدول التي اقترضت ديوناً كبيرة بالدولار ببذل جهود «مضنية» لتسديد ديونها ولاسيما في ظل تدني أسعار عملاتها الوطنية مقابل الدولار، ما سيزيد من حالة التدهور الاقتصادي وتراجع معدلات النمو، على الصعد الوطنية والعالمية.
وتقع اقتصادات الدول الناشئة أمام تحديات اقتصادية أكبر من تراجع أسعار عملاتها، وهو حدوث مزيد من هجرة رؤوس الأموال والاستثمارات من أراضيها وخاصة في ظل تقديم دول الاقتصادات المتقدمة مزايا كبيرة تتعلق برفع أسعار الفائدة التي قدّمت للمستثمرين مزايا حفزتهم على تحويل أموالهم إليها بحثاً عن عوائد أعلى، الأمر الذي يستدعي من تلك الاقتصادات اتخاذ إجراءات وسياسات اقتصادية تحفيزية لاستقطاب مزيد من الأموال إليها، إضافة إلى تعزيز احتياطيات العملات الأجنبية في مصارفها لتتمكن من استخدامها في الأزمات، والعمل مع أسواق السندات المحلية لبناء قاعدة مستثمرين محلية بدلاً من الاعتماد فقط على الأموال القادمة من الخارج.
إن تحذير صندوق النقد الدولي من أزمة مالية تلوح في الأفق لم يبنَ على مؤشرات غير دقيقة، إنما جاء بعد أن خفض توقعاته للنمو الاقتصادي للعامين 2018 و2019، من 3.9% إلى 3.7%، وهو ما يعبّر عنه قول «كريستين لاجارد» مديرة الصندوق في إن العالم بات يشهد «تقلصاً في فرصة تجنبنا المخاطر التي تهدد آفاق النمو على المدى المتوسط وفرص تعزيز هذه الآفاق، والآن هو الوقت المناسب لكي يتخذ صناع السياسات إجراءات لإعادة بناء حيز المناورة من خلال السياسات، وتعزيز صلابة الاقتصاد، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة بما يحقق صالح الجميع»، مؤكدة أن تحسين التعاون العالمي سيعطي دفعة للنمو، من خلال تحديث النظام التجاري، والحد من الاختلالات العالمية المفرطة، وتحسين ديناميكية الدين، والاستفادة من إمكانات التكنولوجيا، وضرورة تنمية القدرات، ومكافحة غسل الأموال والوقوف بجدية أكبر للحد من الفساد وتمويل الإرهاب.

Share