صناعة السياحة في الإمارات: مؤشرات النمو وآفاق المستقبل

  • 17 مايو 2012

من بين الاقتصاديات النفطية للبلدان النامية يعتبر الاقتصاد الإماراتي الأكثر تنوعاً، وذلك على الرغم من أن عائدات النفط بدأت في التدفق متأخرة نسبياً إذا ما قورنت بالاكتشافات النفطية في البلدان الأخرى في المنطقة.

وبعد اعتماد شبه كامل على العائدات النفطية في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي؛ حيث كان القطاع النفطي يشكل معظم مكونات الناتج المحلي الإجمالي، بدأ هيكل الناتج المحلي الإجمالي في التغيّر اعتباراً من نهاية الثمانينيات، ليميل بصورة مستمرة لصالح القطاعات غير النفطية، التي أصبحت تشكل في الوقت لحاضر النسبة الأكبر من مكونات هذا الناتج، حيث تستحوذ على نسبة تقارب 65% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك على الرغم من الارتفاع الكبير في أسعار النفط، والتي سجلت مستويات غير مسبوقة في الأعوام الثلاثة الماضية.

لقد تحقق ذلك بفضل النمو السريع للعديد من القطاعات غير النفطية المهمة، والتي أصبحت تساهم بنسب كبيرة في الناتج المحلي للدولة، فبالإضافة إلى قطاع الصناعات التحويلية والتجارة والقطاعين المالي والعقاري، نما قطاع السياحة بصورة لافتة للنظر في العقدين الماضيين، بحيث تبوأت دولة الإمارات مركزاً متقدماً، ليس في السياحة الإقليمية فحسب، وإنما في خارطة السياحة العالمية أيضاً؛ إذ احتلت دولة الإمارات المرتبة 30 عالمياً من بين 139 دولة شملها التقرير الأخير لتنافسية السفر والسياحة لعام 2011 والصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي.

وعلى خلاف كثير من البلدان، فإن نمو القطاع السياحي المحلي اعتمد بصورة أساسية على الاستثمارات المحلية؛ حيث تم توظيف استثمارات هائلة في البنية التحتية للسياحة، من قبل القطاعين العام والخاص على حد سواء، وقد أتاحت تلك الاستثمارات إقامة مرافق مهمة لم يكن بالإمكان أن يتطور القطاع السياحي من دونها.

وضمن هذا السياق، استثمرت الدولة نحو 100 مليار درهم في إقامة مطاراتها وتطويرها في السنوات الخمس الأخيرة وحدها، بحيث أصبح مطار أبوظبي قادراً على استيعاب 20 مليون مسافر، فيما يستوعب مطار دبي 60 مليون مسافر، من المقرر أن ترتفع إلى 90 مليون مع افتتاح المبنى الجديد في العام القادم. إضافة إلى مطارات الشارقة ورأس الخيمة والعين والفجيرة.

وتزامن ذلك مع التطور الكبير الذي لحق بشركات الطيران المحلية، والتي تكتسب يوماً بعد آخر طابعاً عالمياً مميزاً، وأصبحت قادرة على ربط الجهات الأربع للكرة الأرضية، مما أتاح استقطاب أعداد كبيرة من السياح من مختلف بقاع العالم، وهو ما أعطى دفعة كبيرة للقطاع السياحي، الذي أصبح يساهم بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة كبيرة تعادل تقريباً مساهمة القطاع الصناعي، وتتجاوز نسبة مساهمة القطاعين المالي والعقاري كل على حدة.

وصل عدد السياح في العام الماضي إلى 10 ملايين سائح، أمكن استيعابهم بفضل التطور الكبير للقطاع الفندقي؛ حيث وصل عدد الفنادق من فئة (5 نجوم) وحدها إلى ما يقارب 100 فندق، وهو رقم يتجاوز عدد الفنادق المماثلة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الخمس الأخرى مجتمعة. وتتوافر في هذه الفنادق مختلف وسائل الراحة والترفيه العائلي وإقامة المؤتمرات والمعارض؛ إذ تعتبر سياحة المعارض من أهم مجالات الاستقطاب السياحي في الدولة.

ومؤخراً أضافت أبوظبي مكوناً جديداً للقطاع السياحي، تمثل في تنظيم عدد من الفعاليات العالمية المهمة، مثل "جائزة الاتحاد الكبرى للفورمولا ون" في المجال الرياضي، ومشروع جزيرة السعديات الذي يهدف إلى جعل أبوظبي عاصمة للثقافة في منطقة الشرق الأوسط، والذي يضم فروعاً لمتاحف عالمية كمتحف اللوفر الفرنسي ومتحف غوغنهايم الأمريكي ودار المسارح والفنون والمتحف البحري، إلى جانب حديقة البينالي المؤلفة من أجنحة مخصصة للفنون والثقافة، الأمر الذي سيساهم بلا شك في إحداث مزيد من التنويع للقطاع السياحي، وبالتالي جذب مزيد من السياح للدولة لمتابعة هذه الأنشطة ذات الطابع العالمي، أو لحضور المناسبات الرياضية والثقافية.

أما في دبي، فإن إقامة مدينة دبي الصحية واستقطابها لمؤسسات طبية عريقة سيساهم بدوره في نمو السياحة العلاجية، والتي بدأ الاهتمام بها من قبل العديد من بلدان العالم، وذلك للعوائد الكبيرة التي يمكن جنيها من تطور الخدمات الصحية والعلاجية.

لقد اعتمد نجاح تجربة الإمارات في تطوير القطاع السياحي في العقدين الماضيين على التكامل بين مكونات البنية التحتية المتطورة للسياحة، والتوجهات الرامية إلى الاستثمار في هذا القطاع بجرأة كبيرة، ولاسيما أن دولة الإمارات بشكل خاص، ومنطقة الخليج العربي بشكل عام، لم تدرج في السابق ضمن البلدان السياحية في العالم.

والحال، فإن المستقبل يحمل من بين طياته الكثير لتطوير القطاع السياحي في الدولة، فالبنية التحتية لهذا القطاع ما زالت تملك طاقات استيعابية لم تستغل بصورة كاملة حتى الآن؛ إذ إن هناك العديد من الجزر والمناطق السياحية التي يمكنها أن تستوعب ملايين السياح من مختلف بلدان العالم. كما أن الاستثمارات الجديدة في البنية التحتية، وبالأخص في القطاعات المرتبطة بالسياحة، كقطاع الطيران والنقل والثقافة والتراث سوف تفتح آفاقاً جديدة لاستقطاب مزيد من الزائرين في السنوات القادمة.

وتشكل مجمل هذه التطورات نجاحاً للتوجهات الاستراتيجية للدولة الرامية إلى تنويع مصادر الدخل الوطني من خلال تنمية القطاعات غير النفطية؛ حيث يأتي القطاع السياحي ضمن أهم هذه القطاعات الواعدة لتنويع مصادر الدخل.

ونظراً لهذا الاهتمام، فإنه يتوقع أن ترتفع بصورة مضطردة مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي في السنوات القادمة، كما يتوقع أن يساهم هذا القطاع في توفير الآف فرص العمل للمواطنين، خصوصاً أن السياحة تعتبر من القطاعات التي تعتمد على كثافة الأيدي العاملة (Labor Intensive)، مما يوفر إمكانيات جديدة لتطوير الكفاءات المواطنة العاملة، والتي ما زالت بعيدة عن العمل في القطاع السياحي.

والحقيقة أن هناك العديد من الأسباب التي لا تجعل القطاع السياحي جاذباً للمواطنين للعمل في هذا المجال، يأتي في مقدمتها ضعف الرواتب مقارنة بالقطاعات الأخرى، والنظرة الدونية للعمل في المرافق السياحية. بيد أن وضع بعض الحوافز يمكن أن يساهم في تشجيع المواطنين للعمل في القطاع السياحي، مثلما تحقق نجاحاً مشهوداً في تحفيز المواطنين على العمل في بعض المرافق المرتبطة، كقطاع الطيران ومرافق البنية التحتية للسياحة.

وإذا ما تم ذلك، فإن مساهمة القطاع السياحي، والذي من المتوقع أن ينمو بمعدل سنوي يبلغ 8% حتى عام 2020، لن تقتصر فقط على زيادة مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي، وإنما أيضاً في حل العديد من القضايا التنموية والاجتماعية المستقبلية.

Share