صمود الداخل الليبي ضمانة أساسية لمواجهة التدخل التركي

  • 6 يناير 2020

إن صمود الداخل الليبي وامتلاك رؤية موحدة وواضحة أمران لا غنى عنهما لمواجهة التدخل التركي في أعقاب موافقة برلمان أنقرة على إرسال قوات عسكرية لدعم حكومة طرابلس التي يقودها فايز السراج مدعوماً من مجموعة من الميليشيات المسلحة التي تعمل لحساب مصلحتها الخاصة على حساب مصلحة ليبيا الوطنية العليا.
يهدد التدخل التركي في ليبيا بإحداث المزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في بلد يعاني منذ حوالي عشر سنوات ويلات الاضطراب، وتحديداً منذ إطاحة نظام الرئيس السابق معمر القذافي، الذي عاشت ليبيا في ظله حالة استقرار امتدت لعدة عقود، وإن كان هذا النظام قد فشل في بناء دولة حديثة وبدد ثروات البلاد، كما فشل في بناء مجتمع قوي يتجاوز خطوط التقسيم القبلي الذي وظفه القذافي لصالح بقائه لمدة طويلة في السلطة.
ومما لا شك فيه أن صمود الداخل الليبي يشكل ضمانة أساسية لمواجهة هذا التدخل التركي الذي يحمل في طياته أطماعاً لا تخفى على أحد، وهذا يعني الضرورة القصوى لرص الصفوف والارتقاء إلى مستوى التحدي الخطير الذي يواجه البلاد، فالتدخل العسكري التركي في ليبيا، ليس له مسمى سوى محاولة احتلال ليبيا، وسيزيد من تعقيدات المشهد السياسي، وسيؤدي إلى المزيد من التمزق والفرقة، في الوقت الذي تسعى فيه دول عربية وأطراف دولية إلى إيجاد تسوية سياسية تنقل ليبيا من حالة الفوضى الحالية إلى مرحلة الاستقرار والتوافق الوطني. وقد تجدر الإشارة في هذا السياق إلى ملاحظة مثيرة، تتمثل في أن تركيا في ظل حزب العدالة والتنمية، الذي روج لسياسة (صفر مشاكل) في بداية صعوده، أصبحت أحد أسباب عدم الاستقرار في المنطقة.
كما أن مواجهة هذا التدخل التركي تتطلب أن تكون هناك رؤية واضحة، وقد أحسن البرلمان الليبي حين عقد جلسة حاسمة، أمس الأول، أقر خلالها ما يمكن تسميته حزمتين من القرارات المهمة: الحزمة الأولى، ذات طابع سياسي الهدف منها تأكيد عدم شرعية حكومة الوفاق التي يترأسها فايز السراج، والاتفاق الذي وقعه مع تركيا، حيث صوت البرلمان بالإجماع على قطع العلاقات مع تركيا، وعدم إجازة وإلغاء مذكرة التعاون الأمني والعسكري وترسيم الحدود البحرية، الموقعة بين حكومة الوفاق والنظام التركي، وهذا قرار حيوي، حيث يلغي الأساس الذي تستند إليه أنقرة لإرسال قوات إلى ليبيا، واستكمالاً لذلك صوت البرلمان الليبي بالإجماع على إحالة رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج ووزير خارجيته ووزير داخليته، إلى القضاء بتهمة الخيانة العظمى»، وذلك لتأكيد عدم أهلية من قاموا بتوقيع الاتفاق. وبالإضافة إلى ذلك، فقد صوت البرلمان بالإجماع على مطالبة الهيئات والمنظمات الدولية بسحب الاعتراف بحكومة الوفاق، ودعم رئيس مجلس النواب في جولاته الخارجية، بسحب الاعتراف بحكومة الوفاق وتعديل مسمى (الحكومة الليبية المؤقتة)، ليصبح (الحكومة الليبية). وهذه خطوة من شأنها تأكيد مشروعية هذه الحكومة، ونزع شرعية حكومة السراج.
الحزمة الثانية، ذات طابع عملي، وهي خاصة بالاستعداد لمواجهة التدخل التركي، وهذا أمر مهم للغاية، حيث إن أردوغان يعتقد أن قواته التي سيتم إرسالها إلى ليبيا ستكون في نزهة، ومن ثم كان لا بد من قرارات حاسمة من قبل البرلمان الليبي تكشف لأردوغان خطأ اعتقاده، ليكون ذلك بمثابة فرصة لأنقرة لإعادة التفكير في التدخل العسكري في ليبيا، وفي هذا السياق، فقد صوت البرلمان بالإجماع على تفويض القيادة العامة للقوات المسلحة، بتعطيل المطارات والموانئ والمنافذ البرية، الواقعة تحت سيطرة الميليشيات وإقرار تخصيص ميزانية طوارئ للقوات المسلحة، بقيمة 20 مليار دينار، على أن تخصم من ميزانية الدولة للعام 2020. إن اجتماع البرلمان الليبي يوم السبت الماضي وما اتخذه من قرارات حاسمة، يعد خطوة مهمة لمواجهة التدخل التركي، ويجب على الدول العربية وبرلماناتها اتخاذ المزيد من الخطوات لدعم برلمان ليبيا كممثل شرعي ووحيد للمجتمع الليبي.

Share