صفقة تبادل الأسرى: الانعكاسات على الداخل الفلسطيني وعملية السلام

  • 27 أكتوبر 2011

في الثامن عشر من هذا الشهر (أكتوبر2011) تمت واحدة من أكبر صفقات تبادل الأسرى بين إسرائيل وفلسطين، إذ إن هذه الصفقة تأتي تالية في عدد الأسرى المفرج عنهم (حوالي ألف أسير) بعد الصفقة التي تمت في أعقاب الغزو الإسرائيلي للبنان في1982، والتي شملت حوالي أربعة آلاف وستمائة أسير، حيث كانت قوات المقاومة قد أسرت ستة جنود إسرائيليين بادلتهم بهذا العدد من الأسرى الفلسطينيين. في هذه المرة كانت الورقة الرابحة بيد الجانب الفلسطيني –وتحديداً حركة حماس- هي الجندي الإسرائيلي شاليط الذي تم أسره في عملية نوعية معقدة للمقاومة الفلسطينية، شارك فيها مقاتلون من حماس ولجان المقاومة الشعبية وجيش الإسلام في 25 يونيو2006، وقد قُتل في هذه العملية بالإضافة إلى أسر شاليط ثلاثة من الجنود الإسرائيليين، واستشهد عدد من المقاتلين الفلسطينيين.

ومنذ ذلك التاريخ حاولت إسرائيل المستحيل كي تحرر شاليط من خلال عمليات نوعية خاصة، لكن حركة حماس أظهرت قدرة تنظيمية رفيعة في هذا الصدد وانضباطاً عالياً، بحيث لم تتمكن إسرائيل أبداً من معرفة مكان احتجازه حتى بعد أن أفرج عنه؛ حيث أُحيطت عملية نقله من محبسه إلى معبر رفح بإجراءات تمويه فائقة. وبناء على هذا لم يكن أمام السلطات الإسرائيلية سوى التفاوض للإفراج عنه وقبول الثمن الباهظ الذي طالبت به حماس في مقابل هذا الإفراج. انتهت عملية التفاوض المعقدة بالاتفاق على تسليم شاليط مقابل الإفراج عن ألف أسير فلسطيني على مرحلتين، تمت الأولى منهما بالفعل في الثامن عشر من الشهر الجاري (أكتوبر2011)، وضمت 450 أسيراً و27 أسيرة، توجه تسعون منهم للضفة الغربية وأربعة عشر إلى القدس والباقون لقطاع غزة مع إبعاد أربعين أسيراً إلى قطر وتركيا وسورية. أما المرحلة الثانية من الصفقة فينتظر أن تتم بعد شهرين من إتمام المرحلة الأولى.

لو أن ثّمة وحدة وطنية فلسطينية لاقتصرت آثار هذه الصفقة على مشاعر الفرحة الغامرة بالإفراج عن الأسرى، لكن واقع الحال يشير إلى أن الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد 1967 (الضفة الغربية وقطاع غزة) تشهد منذ 2006 انقساماً حاداً بين حماس وفتح أكبر فصيلين فلسطينيين تحول إلى صدام دموي بعد أحداث غزة في2007. ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن أخفقت كافة جهود المصالحة بينهما بما في ذلك اتفاق القاهرة الأخير.

في هذا الإطار، لاشك في أن للافتراض بأن الصفقة سوف تزيد من مكانة حماس في الساحة الفلسطينية جدارته العلمية، ولعل هذا هو السبب في حرص الرئيس محمود عباس على أن يشير في الكلمة التي ألقاها لدى استقباله للأسرى المحررين إلى أن ثمّة صفقة مماثلة متفقاً عليها بين السلطة الفلسطينية وحكومة إسرائيل سوف تُنفذ بعد إتمام الصفقة الحالية بمرحلتيها، وهو تصريح يفتح الباب لكثير من إمعان النظر، ذلك أن المتأمل لردود الفعل الإسرائيلية على الصفقة سيجد أن بعض الإسرائيليين لم يقبلوها أصلاً، وبعضهم الآخر اعتبر أن مبررها الوحيد هو تحرير شاليط، ولذلك قد يبدو غريباً أن تُقدم إسرائيل على هذه المعاناة مرة أخرى في زمن قصير لمجرد أن تزيد من صدقية الرئيس الفلسطيني، وهي التي ترفض أن تقدم له أي تنازل، ولو إجرائياً، في مفاوضات عملية السلام المتوقفة. هكذا فإن تصريح الرئيس الفلسطيني قد يكون سببه الوحيد هو إنقاذ سمعة حركة فتح بسبب إخفاق نهجها التفاوضي حتى الآن.

ينقلنا هذا إلى النقطة الأهم، وهي أن الخلاف بين حماس وفتح ليس مجرد خلاف على المكانة في الساحة الفلسطينية، ولكنه بالدرجة الأولى خلاف في منهج إدارة الصراع مع إسرائيل، إذ تتبنى حماس نهج المقاومة، فيما تؤمن قيادة فتح بالنهج التفاوضي بغض النظر عن نتائجه. ويشير واقع الحال إلى أن نهج حماس هو الذي أثبت فعاليته حتى الآن، ففي إطاره تم إجبار الحكومة الإسرائيلية على سحب قواتها من قطاع غزة في2005، وتفكيك المستوطنات الواقعة في محيط القطاع في سابقة هي الأولى من نوعها، وفي ظله أخفقت إسرائيل في أن تضع نهاية لحكم حماس في غزة أو حتى في إضعافه على الرغم من العدوان الإجرامي الذي شنته على القطاع في 2008/2009، وتطبيقاً له تمت عملية المقاومة التي انتهت بأسر شاليط  وأوصلتنا إلى الصفقة الحالية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. أما نهج التفاوض فإنه لم يفشل في تحقيق غايات النضال الفلسطيني فحسب منذ تم التوصل إلى اتفاقية أوسلو في 1993، بل إنه آخذ في التراجع بمعنى أن المكاسب المحدودة التي تحققت بموجب الاتفاقية أخذت في التبخر منذ أن تولى اليمين المتشدد بزعامة نتانياهو الحكم في 1996 وأعلن تملصه من الاتفاقية.

لا يعني ما سبق أن البوصلة الفلسطينية سوف تنتقل على الفور من السلام إلى الحرب ومن التفاوض إلى معارك التحرير بسبب صفقة شاليط، فثمة قيود بنيوية تعمل عكس هذا الاتجاه، منها أن السلطة الفلسطينية الممسكة بمقاليد الأمور حتى الآن في الضفة لن تتحول تحت أي ظرف من الظروف إلى نهج المقاومة المسلحة؛ فهي تؤمن إيماناً مطلقاً بأنه لا جدوى سوى للتفاوض، كما أن للحكم نخبته ومصالحه التي تتهددها كثيراً العودة إلى المقاومة، بل إن ثمة احتمالاً في أن قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى الفلسطينية سعيدة بمعيشتها الحالية في الضفة في ظل مستوى اقتصادي معقول واستقرار نسبي، ومن ثم فهي تظاهر نهج السلطة، ولو على حساب الهدف الوطني العام. كذلك فإن حماس نفسها قد لا تجد أن الوقت الراهن هو المناسب لاستئناف عمليات المقاومة حفاظاً على تماسك بنيتها ومصادر قوتها، وربما انتظاراً لمدد استراتيجي قد يأتي من دول الربيع العربي التي ستؤدي قوى الإسلام السياسي فيها دوراً محورياً.

 إن دلالات صفقة شاليط قد تعمل أصلاً لمصلحة عملية السلام اعتباراً من المدى المتوسط؛ إذ إن أكثر حكومات إسرائيل يمينية وتشدداً قد تفاوضت مع حماس التي كانت تنعتها، وما زالت، بأنها منظمة إرهابية، لكن واقعة التفاوض تمت، ولابد أن تكون قابلة للتكرار، كذلك فإن الإيمان بأن نهج المقاومة هو الذي يعطي الثمار سوف يفضي إلى سعي الفلسطينيين إلى امتلاك مزيد من الأوراق التي لن تكفي بطبيعة الحال لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، ولكنها سوف تكون مفيدة في تحقيق مكاسب جزئية، ومع ازدياد هذه الأوراق الفلسطينية سوف تقترب أكثر وأكثر من إحياء العملية التفاوضية على أسس أكثر توازناً، ومن ثم أكثر قدرة على الوصول بهذه العملية إلى نتائج ملموسة. ولا يعني هذا أن الساحة الفلسطينية لن تشهد عنفاً من الجانبين، فالعنف سلوك إسرائيلي بنيوي يصعب التوقف عنه، وهو وسيلة الفلسطينيين لاستعادة حقوقهم على نحو مباشر أو غير مباشر، لكن أعمال العنف هذه لن تكون شاملة لأن إسرائيل جربت هذا النهج وأخفقت فيه غير مرة، ولأن الفلسطينيين لا يملكون أصلاً القدرة على صنع العنف الشامل. وفي هذه العملية المعقدة من الجدل بين العنف والتفاوض يتعين على الفلسطينيين أن يتجاوزوا مشكلة الانقسام الراهن بين أنصار التفاوض في فتح وأنصار المقاومة في حماس كي يكون ممكناً أن يتوصلوا إلى استراتيجية فاعلة يمكن من خلالها إدارة الصراع مع إسرائيل بنجاح من أجل استرداد الحقوق.

Share