صعود منذر للتضخم في الخليج وآليات ممكنة لمواجهته

أحمد السيد النجار: صعود منذر للتضخم في الخليج وآليات ممكنة لمواجهته

  • 15 أكتوبر 2008

شهدت معدلات التضخم (معدلات ارتفاع أسعار المستهلكين) في بلدان الخليج العربي تزايدا مطردا في الأعوام الخمسة الأخيرة. وصحيح أن معدلات التضخم في بلدان الخليج ما زالت رغم ارتفاعها، عند مستويات يمكن معالجتها وحتى التعايش معها، إلا أنه من الضروري إيقافها ومنع تزايدها عن المستويات الراهنة لأن ارتفاع التضخم يسبب نوعا من الحمى الرديئة للاقتصاد، ويحدث اضطرابا في الحسابات المستقبلية لأي استثمارات جديدة ويشكل كابحا لها، كما أنه يؤدي إلى إعادة توزيع الدخل لصالح أصحاب الممتلكات التي ارتفعت أسعارها، وفي غير صالح العاملين أي أصحاب حقوق العمل من الفقراء والطبقة الوسطى الذين تتدهور القدرة الشرائية لرواتبهم مع ارتفاع معدل التضخم.
 
وخلافاً للتضخم المحسوب، هناك تضخم مكبوت في بلدان الخليج بفعل دعم الدولة لأسعار العديد من السلع الأساسية وبالذات الوقود الذي تؤثر أسعاره في حركة أسعار باقي السلع والخدمات. وبالتالي فإن أي تحرير لهذه الأسعار المدعومة يمكن أن يطلق تضخما منفلتا إلى حد كبير.

وتشير البيانات الرسمية السعودية إلى أن معدل التضخم في السعودية قد ارتفع إلى 11.1% في شهر تموز/يوليو الماضي، وهو أعلى مستوى يسجله هذا المعدل منذ ثلاثة عقود على الأقل. كما بلغ المعدل نحو 12.9% في أبوظبي في الربع الثاني من العام الجاري، وهو معدل يشكل امتداداً لنظيره المرتفع الذي بلغ 11% عام 2007 والذي كان الأعلى منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي وحتى الآن. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل التضخم قد بلغ نحو 13.8% في قطر في عام 2007، وهو أعلى مستوى يسجل في أي دولة خليجية منذ ثلاثة عقود على الأقل. كما أشارت البيانات إلى أن المعدل بلغ 5.5%، 5%، 3.4% في كل من عمان والكويت والبحرين بالترتيب في عام 2007، وكل هذه المعدلات تعتبر الأعلى في هذه البلدان منذ ما يزيد على ربع قرن.

جدول 1
تطور معدلات التضخم في دول مجلس التعاون الخليجي من عام 2000 وحتى الآن

  2000 2001 2002 2003 2004 2005 2006 2007 2008*
الإمارات 1.4% 2.7% 2.9% 3.2% 5% 6.2% 9.3% 11% 9%
السعودية -1.1% -1.1% 0.2% 0.6% 0.4% 0.6% 2.3% 4.1% 6.2%
الكويت 1.6% 1.4% 0.8% 1% 1.3% 4.1% 3.1% 5% 6.5%
عمان -1.2% -0.8% -0.3% 0.2% 0.7% 1.9% 3.2% 5.5% 6%
البحرين -0.7% -1.5% -0.5% 1.7% 3.2% 2.6% 2.2% 3.4% 3.3%
قطر 1.7% 1.4% 0.2% 2.3% 6.8% 8.8% 11.5% 13.8% 12%

                                          IMF, World Economic Outlook, April 2008, p. 253   

وهناك سلة متنوعة من الأسباب المحلية والخارجية التي تقف وراء ارتفاع أسعار المستهلكين (معدل التضخم) في بلدان الخليج. وينظر بعض المحللين إلى ارتفاع أسعار النفط وما تلاها من ارتفاع في الدخول، على أنه السبب الرئيسي لارتفاع معدل التضخم باعتبار أن هذه الزيادة في الدخول لم يقابلها إنتاج من السلع والخدمات، وإنما هي نتاج ارتفاع ريع ثروة طبيعية هي النفط. وهذه الزيادة في الدخول تتحول إلى طلب إضافي في السوق فتضغط على أسعار السلع والخدمات باتجاه الارتفاع. وهذا الأمر صحيح، لكن دائرة تأثيره على معدل التضخم لا تكتمل إلا بالزيادة في المعروض النقدي من الإصدار النقدي الجديد ومن النقود المصرفية.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن النقود وأشباه النقود في بلدان الخليج، قد شهدت زيادة هائلة منذ بدايات العقد الحالي وبالذات منذ عام 2003 وحتى الآن، فقد زاد المعروض من النقود في الإمارات بنسبة 23.8%، 38.7%، 29.2%، 14.9% في الأعوام 2003، 2004، 2005، 2006 بالترتيب. كما زاد عرض النقود بنسبة 79.3%، 29.5%، 53.2%، 24.7% في قطر في السنوات المذكورة آنفا بالترتيب. وزاد عرض النقود في السعودية بنسبة 10.2%، 18.2%، 7.8%، 10% في الأعوام المذكورة بالترتيب. ولم يختلف الأمر كثيرا في باقي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وفي عام 2006 بلغ معدل زيادة النقود وأشباه النقود نحو 23.2%، 20.4%، 21.7%، 24.6%، 14.9%، 38% في كل من الإمارات والسعودية والكويت وعمان والبحرين وقطر بالترتيب. وهذه الزيادات الكبيرة في النقود وأشباه النقود تعتبر مسببا رئيسيا لارتفاع معدل التضخم.

كذلك فإن التساهل مع استخدام المواطنين والعمال الوافدين للعملات الأجنبية في تسوية بعض التزاماتهم وتعاملاتهم التجارية، يضيف قوة تضخمية غير محسوبة، وهو ما يستوجب الالتزام الصارم بالقاعدة الذهبية الرأسمالية المعمول بها في كل الدول الرأسمالية الصناعية المتقدمة، والتي تقضي بسيادة العملة المحلية في سوقها، بمعنى أن كل التعاملات تتم بها، ولا يسمح مطلقا بأي تعامل بالعملات الأخرى بصورة مباشرة، بل ينبغي أن يتم تحويلها أولا إلى العملة المحلية التي يتم التعامل بها وحدها في السوق، وذلك للتحكم القوي في الكتلة النقدية التي تدور في السوق وتؤثر في حركة الأسعار.

ومن ناحية أخرى يعتبر التضخم المستورد رافدا رئيسيا مغذيا لارتفاع معدلات التضخم في بلدان الخليج في الفترة الأخيرة، حيث ارتفعت أسعار الواردات من السلع الغذائية والمعادن النفيسة والعادية بصورة كبيرة نتيجة ارتفاع أسعارها في الأسواق الدولية.
 
ونظرا لأن نسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي في بلدان الخليج مرتفعة للغاية وتتراوح بين ربع وثلث هذا الناتج، وتصل في الإمارات إلى أكثر من 46% منه كواردات للسوق المحلي وواردات محولة لأسواق أخرى، فإن تأثير ارتفاع أسعار الواردات على التضخم المحلي يكون كبيرا ويسهم فيه بصورة صافية بما يتراوح بين ربع وثلث معدل ارتفاع أسعار الواردات، إلا في حالة دعم الحكومات في دول الخليج لأسعار بعض الواردات بصورة تكبت التضخم.

ومن ناحية أخرى فإن الفجوة بين معدل الادخار المرتفع في ظل ارتفاع أسعار النفط، ومعدل الاستثمار المنخفض كما هو واضح من جدول 2، تؤدي إلى وجود فوائض مالية هائلة تستخدم في المضاربة على كل شيء من النفط والذهب والأراضي والعقارات إلى السلع الغذائية والمعادن، وتؤدي بالتالي إلى رفع الأسعار، أي إشعال التضخم لا لشيء إلا لوفرة الأموال وعدم توجيهها إلى الاستثمار المحلي في الاقتصاد الحقيقي في الصناعة والزراعة والخدمات، أو إلى الاستثمار الخارجي في بلدان عربية أو أجنبية.

جدول 2
الفجوة بين الادخار المرتفع والاستثمار المنخفض في بلدان مجلس التعاون الخليجي عام 2006

  الإمارات السعودية الكويت عمان البحرين قطر
معدل الادخار 40.1% 50.3% 62.7% 43.2% 48.4% 67.4%
معدل الاستثمار 21% 17.6% 17% 18.2% 26.8% 36.7%
فائض المدخرات 19.1% 32.7% 45.7% 25% 21.6% 30.7%
جمعت وحسبت من: الأمانة العامة لجامعة الدول العربية وآخرون، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، سبتمبر 2007، ص. 289
 
وبناء على كل ما سبق، فإن أي مواجهة فعالة للتضخم تستلزم تقليص الزيادة في عرض النقود ومنع استخدام أي عملات أجنبية في تسوية الالتزامات داخل البلد. كما تستلزم هذه المواجهة وضع تصور استراتيجي وخطط عملية لزيادة الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي المنتج للسلع والخدمات لزيادة الإنتاج والمعروض منها وبالتالي وقف ارتفاع أسعارها، وأيضا كآلية لسحب الأموال من نشاطات المضاربة التي تؤدي لرفع الأسعار وزيادة معدلات التضخم.

كذلك فإن هناك ضرورة لتعديل السياسة المالية باتجاه فرض ضرائب ولو محدودة على التعاملات في البورصة وعلى التعاملات في القطاعات التي تتركز فيها عمليات المضاربة التي ترفع أسعار السلع والخدمات، وذلك لتقييد رأس المال المضارب ودفعه نحو التحول للاستثمار المفيد للاقتصاد بدلا من المضاربة التي تثير الاضطراب وترفع الأسعار.

كما يمكن استخدام سعر الفائدة لتشجيع الادخار على حساب الاستهلاك المغذي للتضخم، شرط أن تكون هناك قدرة على التوظيف الفعال للمدخرات في تمويل الاستثمارات والنشاطات التجارية المرتبطة بالاقتصاد الحقيقي وليس بعمليات المضاربة، سواء في الاقتصاد الداخلي أو في أي من بلدان الوطن العربي أو حتى في بلدان أجنبية.

Share