صعود الإسلاميين في المشهد العربي: أبعاد ودلالات

  • 19 ديسمبر 2011

أصبح حزب "النهضة" التونسي الأقوى والأبرز بعد سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي، ويتهيّأ زعيم حزب "العدالة والتنمية" لتشكيل الحكومة المغربية الجديدة إثر حصول حزبه على أكبر عدد من مقاعد البرلمان في الانتخابات الأولى التي جرت وفقاً للدستور الجديد، ويتوقع أن تكون جماعة "الإخوان المسلمين" عبر واجهتها حزب "الحرية والعدالة" الكتلة الكبرى والمحورية في مجلس الشعب المصري المقبل بعد انهيار نظام حسني مبارك، فيما سجّل الإسلاميون حضوراً لافتاً في ليبيا ما بعد معمر القذافي، أما في اليمن فيتمتع "إخوان" حزب "الإصلاح" بحظوظ قوية للفوز في الانتخابات الأولى بعد أفول نجم علي عبد الله صالح، ويُعدّ "الإخوان" السوريون الحزب الأكثر تنظيماً للعب دور متقدم في سورية ما بعد بشار الأسد.

هكذا يبدو أن صعود الإسلاميين هو النتيجة المشتركة للثورات والانتفاضات الشعبية التي شهدها العالم العربي خلال سنة 2011. وباستثناء المغرب الذي استطاع أن يغلّب نهج التغيير الإصلاحي بواسطة الحكم الملكي القائم، يتطلّب التغيير في الدول الخمس الأخرى إعداد دساتير جديدة، وكان الحراك فيها قد مرّ بمراحل عنف دموية متفاوتة أدت في ليبيا مثلاً إلى تدخل عسكري خارجي تولاه حلف "الناتو"، أما في سورية فلا يزال الصراع الداخلي دائراً وينذر بحرب أهلية مرشحة لأن تطول، لكن يصعب أن ينتهي إلى بقاء النظام مسيطراً كما كان طوال العقود الخمسة الأخيرة.

لم يكن فوز الإسلاميين مفاجأة في حد ذاته، بل إن النسب التي يحققها هي التي صدمت الرأي العام في الداخل كما في الخارج. ففي تونس حصدوا نحو 43 في المائة من مقاعد المجلس التأسيسي الذي سيقود البلاد خلال فترة كتابة الدستور والإعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية بعد سنة من الآن. وفي مصر يتوقع أن يتجاوزوا الـ 40 في المائة، ما يرشحهم لإدارة الحكم بواسطة ائتلاف يهيمنون عليه. ورغم أن ما حصلوا عليه في المغرب لم يفق الـ 25 في المائة، إلا أن عدد مقاعدهم يقارب ما جمعته الأحزاب الثلاثة الرئيسية الأخرى معاً.

تنبغي الإشارة إلى أن التيار الإسلامي لا يضم "الإخوان" وحدهم، فتطورات ما بعد الانتفاضات الشعبية أتاحت أيضاً بروزاً مفاجئاً للسلفيين الذين يعتبرون أقل تنظيماً، ولم يكن لهم وجود سياسي ملموس في الفترة السابقة، بل يعتقد العديد من الخبراء أنهم يراوحون بين فئتين: الأولى نمت في ظل السلطة القائمة وآزرتها بالمخبرين أو بالسيطرة على المساجد، إلا أنها بتغلغلها بين الناس نجحت في توظيف خطاب شعبوي أكسبها بعضاً من سمعة المعارضة، والثانية وجدت في الانتفاضات فرصتها لتقفز إلى المعارضة، وما لبثت أن وجدت جهات خارجية تحتضنها وتموّلها. وفيما يحاول سلفيو ليبيا واليمن تسجيل مواقع لهم في السلطة المقبلة، نجح سلفيو مصر في تحقيق اختراق ملحوظ للمشهد السياسي المصري، وقد يحرزون ما يقرب من 20 في المائة من مقاعد مجلس الشعب الجديد، أي سيكون لهم حضور ورأي في كتابة الدستور، وهو ما بات يقلق الكثيرين في الداخل والخارج؛ نظراً إلى أن السلف يتوعّدون بتغييرات نوعية من شأنها أن تؤثر في الحريات العامة أو في بعض قطاعات العمل، كالسياحة مثلاً. 

لعل التفسير السياسي، الفوري والمباشر، لظاهرة صعود الإسلاميين أن ممارسات الأنظمة السابقة ضدهم وما اتسمت به من قمع وتهميش واضطهاد، هي التي دفعت الناخبين نحوهم باعتبارهم يمثلون التغيير الجذري المطلوب بعد سقوط تلك الأنظمة؛ إذ إنهم تحملوا الشدّة التي عوملوا بها، ولم يقبلوا إلا بمساومات شكلية عابرة، على عكس الأحزاب الأخرى التي انتهجت الاعتدال، وانخرطت في اللعبة السياسية القائمة ظناً منها أن الأنظمة وأحزابها الحاكمة ستمنحها دوراً أو حصة في الحكم، إلا أنها عوملت كـ "ديكورات" وبسلبية بالغة أدّت عملياً إلى تهميشها. ومع سقوط الأنظمة اكتشفت تلك الأحزاب أن الحراك الشعبي لا يكترث بها، بل يميل إلى معاقبتها باعتبارها من روافد وإفرازات الأنظمة السابقة.

أما السمة الأخرى لصعود الإسلام السياسي فتتمثّل بأنه استغلّ ضعف الدولة السابقة وغيابها خصوصاً في المجال الاجتماعي، إذ كان يحلّ محلّها في تقديم الدعم والمساعدة للفئات الفقيرة والمعدمة سواء في التعليم والطبابة والإسكان وأحياناً كثيرة في الإطعام أو التشغيل، وبديهي أنه كان يستغلّ كل ذلك للاستقطاب السياسي ضامناً كتلاً من الناخبين لا تعرف غيره، بل إن الدولة أو الأحزاب لم تكن بالنسبة إليها موجودة.

يضاف إلى ذلك أن الضغوط الأمنية والسياسية التي تعرض لها الإسلاميون، تحديداً في العقد الأخير، دفعتهم إلى مراجعة برامجهم السياسية وطرائق عملهم ليتحصّلوا على قبول لدى فئات لم يكونوا يستهدفونها أصلاً. ثم إن الإشكالات التي نجمت في الدول الغربية بعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001 جعلت هذه الدول تقترب أكثر من الجماعات الإسلامية للتعرّف إليها ومحاورتها في برامجها وأساليب عملها، وكذلك للاحتكاك بما تعتقد أنه الفكر المصنّع للإرهاب. وإذ استنتجت هذه الدول أن الإسلاميين هم القوى الأكثر شعبية خارج إطار النظام وحزبه الحاكم، فإنها تيقّنت بأنهم مرشحون لأن يكونوا البديل المحتمل لأي نظام في حال إجراء انتخابات حرّة ونزيهة أو حصول ما يمكن أن يطيح النظام… وهذا هو الواقع اليوم، مع الإشارة إلى أن الإسلاميين لم يتأخروا بالمشاركة في الانتفاضات، لكنهم كانوا شديدي الحرص على عدم الظهور في الصورة لئلا يسيئوا إليها، وانتظروا الانهيار الفعلي للأنظمة كي يجهروا بحضورهم.

لا شك أن القبول الغربي للإسلاميين لعب دوراً في لجم ردود الفعل العسكرية أو الليبرالية ضدّهم، لكن التقويم الواقعي للظاهرة سيعود إلى العرب أنفسهم في بلدانهم كافة، وهؤلاء يتخبّطون بين القبول بما تخرجه صناديق الاقتراع والخشية والحذر مما يعرفونه عن نيات الإسلاميين. ولهذا أسباب يمكن عزوها إلى أن الإسلاميين ليسوا مشهورين بالدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان المتعارف عليها، ولم يسبق أن اختُبروا في إدارة الدول ومؤسساتها، ما يعني أن حظوظ نجاحهم وفشلهم متساوية، فيما لا تحتمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية أي تجريب مضطرب أو تغيير جذري في السياسات المتبعة التي كانت جيّدة التخطيط لكن سيئة التطبيق والتنفيذ خصوصاً بسبب استشراء الفساد ومأسسته.

يضاف إلى ذلك أن الإسلاميين جماعات وتيارات غير مستقرّة فكرياً وغير متقاربة في الاعتدال والنضج. فرغم الاستحسان الذي لقيه خطاب "النهضة" التونسي، والقبول النقدي لخطاب "الحرية والعدالة" المصري، إلا أن الخطاب السلفي الملتبس يطرح علامات استفهام على مجمل الظاهرة؛ لأن تياراتها جميعاً ارتكزت دائماً إلى "مرجعية" واحدة وتصارعت عليها. وبالتالي فإن ادعاء الحداثة عند البعض والأصولية عند البعض الآخر يشي باحتمال الانزلاق إلى صراعات يمكن أن تصل إلى حد العنف المتبادل. ويحاجج ناقدو تطبيقات الإسلاميين للدين بأن هؤلاء لم يقتربوا قط من مفهوم "الدولة المدنية الديمقراطية" الذي شكّل الشعار الأبرز للانتفاضات الشعبية، بما تعنيه من مواطنة ومساواة وتعددية وتداول للسلطة.

ثمة مخاوف كثيرة ينبغي على الإسلاميين أن يطمئنوا الرأي العام بشأنها. فالاحتكام إلى صناديق الاقتراع والاستقواء بها لا يعني في أي حال فرض خيارات لا يريدها المجتمع؛ لأن الصناديق نفسها ستعمل في المرة المقبلة باتجاه آخر. وهذه هي الفضيلة الرئيسية للديمقراطية كآلية لإدارة السياسة، يوم لك ويوم عليك، والدين لله أما الدولة فللجميع على اختلاف انتماءاتهم.

Share