صراع واحد‮.. ‬جبهات متعدّدة

  • 26 يوليو 2011

تؤكد الأعمال الإرهابية التي تعرّضت لها العاصمة النرويجية أوسلو، مؤخراً، أن التطرّف هو التحدّي الأخطر الذي بات يواجه دول العالم أجمع، وأن القوى المتطرّفة، سواء كانت تنتمي إلى اليمين المسيحي في أوروبا، أو التنظيمات الإرهابية في العالم الإسلامي، هي التي تعمل على إذكاء الصراعات الدينية والطائفية، وتقف وراء موجات العنف والإرهاب، وقد تدفع العالم إلى الصدام والصراع.

خطورة التطرّف لا تكمن في ما يرتبط به من نزعات تعصّب وإقصاء للآخر، فحسب، وإنما لأنه يؤدّي في كثير من الأحيان إلى ارتكاب جرائم العنف والإرهاب أيضاً، فالذي نفّذ الاعتداءات الإرهابية التي وقعت في النرويج يشتبه في أنه أصولي مسيحي ينتمي إلى جماعات اليمين التي تعادي الوجود الأجنبي في البلاد، وهذا الشعار نفسه الذي ترفعه الجماعات المتطرّفة الأخرى في تبرير لجوئها إلى ممارسة العنف والإرهاب، تارة باسم الدفاع عن الدّين، وتارة باسم التحيّز لقضية معيّنة، وإعطاء الحق لنفسها في الدفاع عنها بأي وسيلة من الوسائل حتى لو كانت من خلال ممارسة أعمال العنف والإرهاب. والواقع أن هذه الجماعات لا تعبّر بأي حال عن الديانات التي تنتمي إليها، سواء كانت الإسلام أو المسيحية، وإنما تتعصّب لآرائها وتتحيّز لها، ولا تستهدف سوى نشر ثقافة التطرّف الديني الذي يستقوي على البشر بممارسة العنف والإرهاب غير المبرّر.

إن تصاعد أعمال العنف والإرهاب في الفترة الأخيرة في أكثر من منطقة يشير بوضوح إلى تنامي خطر التطرّف في العالم، الذي بات لا يقتصر على منطقة بعينها، فخلافاً للسنوات السابقة التي كان التركيز فيها منصبّاً على منطقة الشرق الأوسط باعتبارها البيئة التي تصدّر التطرّف والإرهاب إلى دول العالم، أصبح واضحاً الآن أن التطرّف بات ظاهرة عالمية، ففي الاتحاد الأوروبي، حذّر تقرير الشرطة الأوروبية الأخير الذي صدر عام 2010 من أن "الجماعات اليمينية المتطرّفة لديها الرغبة في التوسّع ونشر أيديولوجيتها وما زالت تمثّل تهديداً للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي". وفي دول أوروبا الشرقية اكتسبت ظاهرة تنامي اليمين المتطرّف أبعاداً غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، وباتت هناك جماعات متطرّفة تعادي الأقليات الموجودة في هذه الدول، وتمارس العنف ضدها.

على الرغم من التحرّكات والدعوات والمبادرات التي عملت خلال السنوات الماضية من أجل التصدّي لنظريات صراع الحضارات والثقافات والأديان وما صاحبها من ممارسات سلبية وإساءات إلى المقدّسات وتوترات بين أصحاب الديانات المختلفة في العالم، فإن أعمال العنف والإرهاب الأخيرة التي وقعت في النرويج، ومن قبل في أماكن عدّة في الهند والفلبين وباكستان والعراق وروسيا، تؤكد أن خطر التطرّف ما زال ماثلاً بل ربما تتصاعد وتيرته خلال الفترة المقبلة إذا لم يتم التحرّك بقوة وفاعليّة لمواجهته.

مواجهة خطر التطرّف ينبغي أن تكون المعركة المشتركة التي تجمع دول العالم وتوحّدها، ومن المهم ألا تقتصر هذه المعركة على منطقة أو ديانة بعينها، ما دام الجميع يكتوي بنيرانها، وهذا يتطلّب صياغة استراتيجية عالمية موحّدة لمواجهة هذه الظاهرة، ودراسة أسبابها ودوافعها وأهدافها من أجل وضع الخطط الكفيلة بالتصدّي لها، وإنقاذ العالم من الجماعات والتيارات المتطرّفة التي تحاول أن تعيد إلى الواجهة صراع الحضارات والأديان.

Share