صراع الأدوار في النظام العربي: الأسباب والتداعيات

د. أحمد يوسف أحمد: صراع الأدوار في النظام العربي: الأسباب والتداعيات

  • 22 فبراير 2009

يشهد النظام العربي في هذه الآونة حالة حادة من صراع الأدوار القيادية داخله، وتجاوز الأمر مجرد التنافس بين هذه الأدوار؛ لأن التنافس يتم وفق قواعد مقبولة بالتبادل من أطراف هذا النظام، ولا يتضمن نية الإضرار بالآخر، فيما تنطوي العلاقات العربية-العربية الآن على ممارسات غير مألوفة لم تتعارف عليها كافة أطرافها، بالإضافة إلى الإعلان الصريح عن نوايا إفساد مساعي الآخرين والاعتزاز بالنجاح في تحقيق ذلك، ومن شأن هذه الحالة إن استمرت أن تعصف بما تبقى من تماسك النظام العربي الذي تعرض منذ الانقسام المصري-العربي حول التسوية مع إسرائيل في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي لسلسلة من الأزمات عبر الغزو العراقي للكويت في1990، والعدوان الأمريكي على العراق منذ2003، فضلاً عن العجز في مواجهة السياسة العدوانية الإسرائيلية والتحدي الإيراني.

ويمكن أن ترد ظاهرة صراع الأدوار إلى نشأة النظام العربي نفسه، غير أن صورتها الواضحة تجلت في الصدام بين حركة المد القومي بزعامة مصر الناصرية والتيار العربي المحافظ بزعامة السعودية في النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي وسنوات الستينيات السابقة على العدوان الإسرائيلي في1967، وربما خفف من تداعيات هذا الصراع على تماسك النظام العربي أن الغلبة كانت تبدو واضحة للتيار القومي العربي الأمر الذي جعل النظام يتفادى ظاهرة التمزق أو التشتت القيادي، هذا بالإضافة إلى قدرة النظام على استعادة تماسكه، ولو مرحلياً، في مواجهة التهديدات الخارجية، كما اتضح على سبيل المثال في موقف النظام عبر دبلوماسية القمم العربية في 1964 و1965 من التهديدات الإسرائيلية لمياه نهر الأردن.

وبوقوع العدوان الإسرائيلي في1967 وهزيمة دول المواجهة واحتلال إسرائيل سيناء المصرية والجولان السورية فضلاً عن استكمال احتلالها ما بقي من أرض فلسطين الطبيعية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، دخل النظام العربي مرحلة جديدة من حيث الوظيفة القيادية فيه، فقبل العدوان كانت مصر تجمع في يديها كافة المقومات المادية والمعنوية للقيادة بتفوق واضح في عوامل قوة الدولة، بما في ذلك الاقتصاد، على أية دولة عربية أخرى، وكان لديها مشروع سياسي يهدف إلى تحرير الوطن العربي من الاحتلال الأجنبي حظي بتأييد كبير في أوساط النخب والجماهير العربية، وقيادة كاريزمية قادرة على تحريك الشارع العربي وإدارة معركة الصراع حول استقلال النظام العربي ووحدته. غير أن العدوان أحدث تغييرات جذرية في هذا كله: فعلى الصعيد المادي بدأت مصر تتلقى في أعقاب قمة الخرطوم1967 مساعدات مالية من قوى عربية محافظة، وهكذا غلّت يدها في عملية التغيير داخل الوطن العربي، وعلى الصعيد المعنوي لا شك في أن الهزيمة العسكرية أمام إسرائيل قد وجهت ضربة قوية للمشروع الناصري على الأقل من زاوية الاضطرار إلى قبول التسوية السياسية للصراع العربي مع إسرائيل من حيث المبدأ، ثم اختفت القيادة الكاريزمية من المسرح السياسي بوفاة عبد الناصر في1970.

غير أن المفارقة تمثلت في أن اللحظة التاريخية التي كان يمكن لمصر أن تستعيد فيها دورها القيادي، وهي لحظة حرب أكتوبر1973، كانت هي اللحظة نفسها التي رسخت ظاهرة تعدد الأدوار القيادية في النظام، فقد تواكبت الطفرة في أسعار النفط مع حرب أكتوبر الأمر الذي أدى إلى خلق مراكز مالية قوية في النظام العربي استطاع بعضها أن يترجم قوته المالية إلى نفوذ سياسي وتأثير قيادي كما في الحالات العراقية والسعودية والجزائرية، في الوقت الذي لم تختف فيه الأدوار القيادية "القديمة" من الساحة وإن قلت أهميتها النسبية كما في الدورين المصري والسوري، ناهيك عن عدد من "بؤر" القوة المالية أو الثورية التي استطاعت، على الرغم من أنها تصنف بسهولة في عداد الدول المتوسطة أو الصغيرة، أن تمارس نفوذاً داخل النظام العربي حتى وإن كان ذلك في مناسبات محددة.

لم يكن التطور السابق محملاً في حد ذاته بتداعيات سلبية على تماسك النظام، فالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال يعرف ظاهرة تعدد الأدوار القيادية، وإنما المهم أن يكون ثمة تصور استراتيجي مشترك بين شاغلي هذه الأدوار حول توجهات النظام وسياساته، وقدرة على تكوين الائتلافات المطلوبة لتجسيد هذه التوجهات على أرض الواقع، ووضع السياسات موضع التطبيق، وهو ما لم يحدث في الحالة العربية إذ كان هناك إخفاق واضح في عملية بناء الائتلافات داخل النظام العربي، وهكذا تحول تعدد الأدوار القيادية من مصدر محتمل لزيادة قدرة النظام على تحقيق أهدافه إلى مصدر فعلي لاستنزاف موارد النظام.

في الإطار السابق شهد النظام العربي انقساماً هائلاً حول سياسات التسوية المصرية الجديدة مع إسرائيل اعتباراً من1977، واستمر هذا الانقسام عقداً كاملاً من الزمان، إذ لم ينته سوى في أعقاب قمة عمان1987، ولم يكد هذا الانقسام يضع أوزاره حتى وقع الانقسام المروع حول الغزو العراقي للكويت، وبعد ذلك شهد النظام العربي انقسامات خطيرة أخرى لعل أهمها الانقسام حول المسؤولية عن العدوان الإسرائيلي على لبنان في2006 وعلى غزة في2009، وكذلك حول الطريقة المثلى لمواجهة العدوان في الحالتين.

ويلاحظ من الناحية التحليلية أن الانقسام يزداد تفاقماً عبر الزمن، ومن آيات ذلك على سبيل المثال أن صراع الأدوار كان يدور في السابق بين توجهات داخلية أساساً (الحرب الباردة بين النظم العربية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته)، ولكنه لم يقف حجر عثرة أمام التجمع في مواجهة العدوان الخارجي أو التهديد به (مواجهة التهديد الإسرائيلي لمياه نهر الأردن في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين ومواجهة آثار الهزيمة في1967)، وحتى عندما حدث الانقسام بين السياسة المصرية والسياسات العربية اعتباراً من1977، تمت عملية رأب الصدع في العلاقات بغرض مواجهة تفاقم خطر خارجي آخر وهو الخطر الإيراني إبان الحرب مع العراق (1980-1988). لكن الدول العربية انقسمت لاحقاً بشأن العدوان الأمريكي على العراق (2003)، واعتبر معظمها أن قوى المقاومة وليست قوى الاحتلال هي المسؤولة عن تفجير الأوضاع سواءً في حالة العدوان الإسرائيلي على لبنان 2006 أو غزة 2009.

وفي مرحلة من المراحل كان يعول كثيراً على ما سمي المثلث المصري-السوري-السعودي كائتلاف قائد داخل النظام العربي، لكن تأثير هذا المثلث أخذ يتضاءل إلى أن تحطم المثلث نفسه، إذ يمكن القول بأن آخر مناسبتين مهمتين لعب فيهما هذا المثلث دوراً مؤثراً كانتا حرب أكتوبر1973 والغزو العراقي للكويت 1990، والمناسبة الثانية بالذات قد لا تكون دالة على دور قيادي فعال لهذا الائتلاف إما لأن السبب الرئيسي في انضمام سورية إليه هو صراعها مع نظام الحكم العراقي ورغبتها في حسم الأمور في لبنان لمصلحتها، أو لأن الائتلاف نفسه كان جزءاً من ائتلاف دولي تقوده الولايات المتحدة. وفي أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان في2006 تفكك هذا الائتلاف تماماً بوقوف أطرافه على طرفي نقيض (مصر والسعودية في جانب وسورية في جانب آخر)، وهو وضع امتد لاحقاً إلى قمة دمشق 2008 وصولاً إلى العدوان الإسرائيلي على غزة في2009، مع فتور بدا أنه يصيب العلاقات المصرية-السعودية من حين لآخر.

بلغ السيل الزبى إبان العدوان الإسرائيلي على غزة، فقد بدا صراع الأدوار عقيماً ومعوقاً لأية حركة فاعلة للنظام؛ فقد دعت قطر إلى قمة طارئة كادت أن تحقق النصاب المطلوب، وعارضتها مصر ومعها عدد من الدول العربية بدعوى أن من شأن عقدها التأثير السلبي على قمة الكويت لصعوبة عقد قمتين متقاربتين زمنياً، ومع ذلك فإن هذا لم يمنع من عقد قمة خليجية في الرياض كان واضحاً أن شاغلها الرئيسي هو إقناع قطر بالتخلي عن دعوتها للقمة، وهو ما لم يحدث، ولم يمنع أيضاً من عقد قمة عربية ?أوروبية بشرم الشيخ لدعم الموقف المصري قبل انعقاد قمة الكويت، وفي النهاية عجزت قمة الكويت عن أن تأتي بأية نتيجة مؤثرة في مواجهة النظام العربي للعدوان الإسرائيلي على غزة، وعجزت كذلك عن ترجمة دعوة العاهل السعودي للمصالحة إلى واقع فعلي.

والآن يقترب النظام العربي من عقد قمته الدورية في الدوحة في مارس/آذار 2009، وما لم يتم عمل عربي جاد باتجاه الاتفاق على برنامج يتضمن أولويات واضحة تحقق القواسم المشتركة من المصالح العربية فإن مصير قمة الدوحة نفسها سوف يكون معرضاً لأن يصبح ضحية جديدة من ضحايا صراع الأدوار في النظام العربي.

Share