صراع الأدوار في العراق بعد الانسحاب الأمريكي

  • 23 أغسطس 2011

في نهاية هذا العام، وبعد نحو ثماني سنوات من الوجود الأمريكي، سيتم انسحاب سائر القوات الأمريكية من العراق؛ تطبيقاً لنصوص الاتفاقية الأمنية بين بغداد وواشنطن في نوفمبر 2008. وقد نصت الاتفاقية على عدم جواز تجديد بقاء هذه القوات إلا باتفاق جديد يصادق عليه البرلمان العراقي بنسبة الثلثين، وهو أمر يصعب التوصل إليه في ظل الانقسامات السياسية الحادة الحالية. ولكن وفقاً لتقديرات القيادات العسكرية المختصة، فإن القوات العراقية، سواء من ناحية التدريب أو التسليح، غير جاهزة حتى الآن لتسلم المسؤوليات الأمنية بعد انسحاب القوات الأمريكية، التي يُقدر عددها حالياً بـ47 ألف جندي.

ومازال أغلب الرأي العام والقوى السياسية في العراق غير مرحب بفكرة التمديد، وانتهى الأمر بموافقة قادة الكتل السياسية، في اجتماع عقد في مقر رئيس الجمهورية (2/8/2011)، على تفويض رئيس الوزراء نوري المالكي للبحث مع الولايات المتحدة في تمديد بقاء جزء من القوات الأمريكية بصفة مدربين بعد نهاية العام. وهذا هو الاحتمال الأرجح؛ الأمر الذي سبق أن أوضحه وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري (28/7/2011). وقد يتم ذلك في صورة مذكرة تفاهم توقعها وزارتا الدفاع العراقية والأمريكية.

بيد أن الانسحاب الأمريكي من شأنه أن يحدث فراغاً استراتيجياً في العراق، ستسعى قوى دولية وإقليمية إلى ملئه. وسيترتب على ذلك نوع من صراع الأدوار بين هذه القوى في المجالات النفطية والاقتصادية (عمليات إعادة الإعمار) والأمنية والعسكرية؛ ما يجعل العراق منطقة تجاذبات إقليمية ودولية بامتياز. ومن بين هذه القوى، تبرز الصين ودول الجوار بالإضافة إلى الولايات المتحدة بالطبع.

أمّا أمريكا، فإن انسحاب قواتها من العراق لا يعني تخليها الكامل عن حماية نفوذها ومصالحها الحيوية في هذا البلد، وفي مقدمتها النفط. ولذا، فإنها ترغب في الإبقاء على قوات رمزية بعد موعد الانسحاب؛ للحفاظ على مصالحها التي بدأت بعض القوى الإقليمية والدولية تتأهب لوراثتها. وهو ما يفسر تلميح وزير الدفاع الأمريكي السابق، روبرت جيتس، إلى الرغبة في بقاء جزء من قواته في العراق بعد الموعد المحدد للانسحاب النهائي؛ بحجة مواجهة التدهور الأمني واستكمال تأهيل القوات العراقية. فيما أشار خلفه، ليون بانيتا، صراحة إلى أن بلاده ستمضي قدماً في خطط سحب كل قواتها المتبقية بحلول نهاية العام باستثناء تلك التي تشملها أي مهمة تدريبية. وفي الواقع، ترغب الولايات المتحدة في الإبقاء على جزء من قواتها في العراق لفترة ممتدة، وتريد تأسيس علاقاتها معه وفق نموذج القوى المهزومة في الحرب العالمية الثانية؛ بما يعني ضمان وضع متميز لواشنطن وحماية مصالحها في منطقة الخليج. فقد استثمرت واشنطن كثيراً من مواردها العسكرية والاقتصادية لتثبيت موقعها وتعزيز مصالحها في العراق، خاصة في مجال استغلال النفط (يملك العراق ثاني احتياطي عالمي من النفط)، وإعادة الإعمار، وستسعى لعرقلة جهود أية قوى أخرى منافسة. بيد أن الولايات المتحدة ستجد صعوبة بالغة في هذا الخصوص؛ فأوضاعها الراهنة (تصاعد حجم ديونها السيادية وتراجع مكانتها الدولية) قد لا تمكنها من إحكام غلق الباب أمام قوى أخرى للدخول إلى الساحة العراقية. ومن المحتمل أن يظل مجال المعدات العسكرية شبه منحصر في العلاقة الأمريكية العراقية، أما في المجال الاقتصادي وإعادة الإعمار فهناك مساحة لقوى أخرى ناهضة، وفي مقدمتها الصين.

كان العراق قبل الغزو أحد مصادر النفط الأساسية للصين، التي تأتي في المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة من حيث استهلاك النفط. وقد قامت الصين قبل عام 2003 بتدشين عدة مشاريع نفطية في العراق، إلا أن الغزو الأمريكي أسقط الأخير من الحسابات الصينية، فاتجهت نحو إيران لتأمين احتياجاتها من النفط. ولا يستبعد استئناف الصين لنشاطها في العراق بعد الانسحاب الأمريكي؛ لأن أمن الطاقة يمثل ركيزة أساسية لتوجهات الصين الخارجية، ومازال الطلب الصيني على النفط في تصاعد نتيجة التوسع الاقتصادي. وتفصل الصين بين دورها السياسي والدور الاقتصادي قدر الإمكان، وتسعى للوصول إلى نقطة التوازن التي تضمن وصول النفط إليها من الشرق الأوسط.

وثمة قوى أخرى إقليمية كإيران وتركيا وإسرائيل تتطلع لزيادة دورها وتوسيع مصالحها في العراق بعد الانسحاب. وربما ستكون إيران من أكثر المستفيدين من إتمام هذا الانسحاب كما كانت أول المستفيدين من دخول القوات الأمريكية إلى العراق. وستحاول إيران ملء أكبر حيز ممكن من الفراغ الاستراتيجي الناجم عن هذا الانسحاب، والذي استعدت له منذ فترة قبل أن يتم. فقد استمرت إيران في تنفيذ مخططاتها لتوسيع نطاق نفوذها في العراق من أقصاه إلى أقصاه، ورسخت وجودها في جنوب العراق استراتيجياً وأمنياً وسياسياً واقتصادياً. ووصل الأمر إلى حد احتلال القوات الإيرانية لآبار حقل الفكة العراقي، وتحول البصرة إلى حديقة خلفية لإيران. وتشير بعض المصادر إلى أن طهران تقوم بمساومة واشنطن على صفقة تضمن الخروج الآمن للقوات الأمريكية من العراق مقابل تنازلات أمريكية في ملفات إقليمية تهم طهران، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني والأزمة السورية وملف حزب الله. ولعلنا نتذكر توافق المصلحتين الإيرانية والأمريكية في تشكيل مرحلة العراق "تحت الاحتلال"؛ ما أسفر عن اعتراف أمريكي ضمني بالدور الإيراني. فمن غير المستبعد التفاهم بين الجانبين حول ترتيبات معينة في العراق بعد الانسحاب مقابل تنازلات متبادلة.

أما تركيا، فإنها ترى أن أمنها القومي مرتبط إلى حد كبير بما يحدث في العراق بعد الانسحاب، وتراقب باهتمام تطورات الأوضاع هناك، ولاسيما وضع الأقلية التركمانية ومشكلة كركوك، ومازالت تخشى التأثيرات السلبية للنزعة الاستقلالية لأكراد العراق على أكرادها. وفي المرحلة السابقة، أدى موقف تركيا المتحفظ تجاه المخطط الأمريكي في العراق إلى ابتعادها عن الدوران بشكل كامل في هذا المخطط. وفي المرحلة الحالية، فإن من مصلحتها قيام عراق جديد متحد ومستقر بعيداً عن أية صيغة فيدرالية مرنة تعطي مزيداً من الاستقلالية لإقليم كردستان العراق.

ومع ذلك، ومن منظور الواقعية، شهدت علاقات أنقرة بالإقليم تطوراً نوعياً مهماً بعد الزيارة التاريخية لوزير الخارجية التركي، أحمد داود أوغلو، لأربيل في أكتوبر 2009، ثم افتتاح القنصلية التركية العامة فيها في مارس 2010، وزيارة مسعود البارزاني تركيا في يونيو 2010 بصفته رئيساً لإقليم كردستان. وتعد تركيا الشريك التجاري الأول للإقليم، ومن أكبر المستثمرين فيه، ولاسيما في قطاعي المقاولات والنفط. ويتجه الطرفان إلى تنمية التعاون بينهما في عدة مجالات أخرى، منها المجال المصرفي والزراعة والسياحة.

وتسعى الحكومة التركية كذلك من تفاعلاتها مع حكومة كردستان الإقليمية إلى كسب تعاون أكراد العراق في المسألة الأمنية الأهم بالنسبة لأنقرة حالياً، وهي مواجهة عناصر حزب العمال الكردستاني الذين يتخذون من جبال كردستان العراق ملجأ ومنطلقاً لمهاجمة الأراضي التركية.

وبصفة عامة، تمتلك تركيا من المقومات الاقتصادية والخبرات ما يمكنها من دعم نفوذها داخل العراق بعد الانسحاب، وهناك من ينظر إلى الدور التركي في العراق، على أنه عنصر موازن للنفوذ الإيراني المتزايد في العراق. ومن غير المستبعد أن يدفع الانسحاب الأمريكي أكراد العراق لمزيد من التعاون مع أنقرة.

ووفقاً لعدد من المحللين، يتمدد الوجود الإسرائيلي في إقليم كردستان العراق منذ العام 2003، ويتخذ صوراً وأشكالاً عدة، اقتصادية وسياسية وعسكرية واستخبارية. فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، تنشط الشركات والمستثمرون الإسرائيليون في قطاع النفط بخاصة. وقد نجح بالفعل رجال الأعمال الإسرائيليون في الحصول على عدة عقود من حكومة كردستان في قطاعي النفط والإنشاءات العسكرية. وينشط الإسرائيليون، ولاسيما أصحاب الأصول الكردية، في شراء الأراضي والعقارات في الإقليم. ويمكن الحديث عن مظاهر متعددة للنشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في شمالي العراق؛ ما يتيح لها مراقبة البرنامج النووي والصاروخي لإيران وبرامج التسلح في سورية. أما التعاون العسكري بين إسرائيل وإقليم كردستان، فيتخذ أشكال تدريب قوات البيشمركة الكردية وإمدادها بأسلحة ومعدات عسكرية حديثة، وتجهيز منشآت حربية في الإقليم.

ولكن ماذا عن الدور العربي المأمول فيه؟
إن إتمام انسحاب القوات الأمريكية بنهاية هذا العام سيترتب عليه غياب إحدى القوى الرئيسة التي عملت على زيادة الفجوة بين العراق ومنطقة انتمائه العربية، أو ضعف تأثيرها على الأقل، وستشهد هذه المرحلة الحرجة إعادة تشكيل الخريطة السياسية العراقية داخلياً وخارجياً. وفي ضوء ذلك، لابد من وجود اقتراب عربي جديد تجاه العراق في المرحلة القادمة.

لقد ظل مجمل الموقف العربي تجاه العراق في المرحلة السابقة متأثراً بشكل كبير بحالة العلاقات البينية بين الدول العربية، وضعف التنسيق بينها، وتبني أجندات عربية متضاربة تجاه العراق. وكانت المحصلة ضعف الوجود العربي داخل العراق مقارنة بالنفوذ الإيراني المتصاعد. ولم يتوافر حتى الآن حد أدنى من القواسم العربية لعمل عربي مشترك وموحد وفاعل في العراق. ثم جاءت مرحلة ما بات يعرف بثورات "الربيع العربي" لتضيف حالة من عدم الاستقرار وضعف التنسيق بين المواقف العربية تجاه مختلف القضايا، وفي مقدمتها وضع العراق بعد الانسحاب. ونخشى مع استمرار غياب تصور عربي متكامل لدعم العراق على أكثر من مستوى أن يدفع العالم العربي ثمناً غالياً لذلك.

وقد مكّن الغياب العربي الإرادي واللاإرادي خلال المرحلة الماضية قوى إقليمية أخرى من ملء هذا الفراغ، وهي تتأهب لتوسيع دائرة نفوذها بعد إتمام انسحاب القوات الأمريكية. ومن ثم، على الدول العربية إدراك أن المرحلة القادمة تمثل نقلة نوعية في مستقبل العراق بعد استرداد كامل سيادته على أراضيه، وهي مرحلة تتطلب تنشيط الدور العربي لمحاولة استيعاب العراق، وحماية مقومات انتمائه العربية، ودعم فرص إتمام المصالحة الوطنية العراقية.

Share