صراع أذربيجان وأرمينيا يهدد بحرب بالوكالة بين أقطاب دولية

  • 21 يوليو 2020

يهدد الصراع بين أذربيجان وأرمينيا، الذي يشهد حالياً تصعيداً خطيراً، بتفجير الأوضاع في منطقة جنوب القوقاز الاستراتيجية التي تقع على مفترق طرق رئيسية بين أوروبا الشرقية وآسيا الغربية، وتمرّ منها الأنابيب التي تنقل النفط والغاز من روسيا ومحيطها وبحر قزوين إلى الأسواق العالمية، فضلاً عن تهديده الأمن والسلم العالميين.
هذا التهديد الذي بدأ العالم ينظر إليه بعين الاهتمام والجدية يتعاظم وتتزايد خطورته في ظل صراع النفوذ بين القوى العظمى والأحلاف الدولية، التي يسعى كل منها إلى استغلال الخلاف القديم بين البلدين لتحقيق أهداف تخدم أجنداته، وتضيف إلى أوراقه السياسية والاستراتيجية ورقة جديدة يمكنه من خلالها الضغط على الأطراف الأخرى.
ومما يزيد هذا الملف تعقيداً وتشابكاً دخول قوى إقليمية طامحة على خط الأزمة مثل تركيا وإيران، حيث بدأت الأولى تشكيل الاصطفافات التي تعمل على تسخين التوترات، وأعلنت وضع صناعاتها الدفاعية بكل خبراتها وتقنياتها وقدراتها وأنظمتها الحربية الإلكترونية تحت تصرف أذربيجان، وأنها لن تتردد أبداً في التصدي للهجوم على حقوق وأراضي أذربيجان «الشقيقة»، واعتبرت أن «ما فعلته أرمينيا غير مقبول»، وأنها تنتهج «قومية عدوانية»، متعهدة بالاستمرار في الوقوف بكل قدراتها إلى جانب أذربيجان في نضالها لحماية وحدة أراضيها، وهو الأمر الذي اعتبرته أرمينيا موقفاً استفزازياً، متهمة أنقرة بتقويض «أمن واستقرار المنطقة».
فالموقف التركي لا يرتبط بأي حال من الأحوال بجوانب قومية أو دينية أو حتى عرقية، بقدر ما يتّصل بآليات إدارة النزاع الذي تخوضه أنقرة في منطقة البحر الأبيض المتوسط سواء في ليبيا أو سوريا أو قبرص، ومحاولاتها توظيف أي فرصة لخدمة موقفها في تلك المنطقة، الذي بات يواجه سيلاً من الاحتجاجات والتململ العالمي، يضاف إلى ذلك إرث من العداء التاريخي بينها وبين أرمينيا الناتج مما يسمى «ملف إبادة الأرمن»، الذي تُتّهم تركيا في إطاره بارتكاب أعمال قتل واسعة ضد الأرمن ما بين عامي 1915 و1917، إبّان الحرب العالمية الأولى، وهو ملفّ ما زالت تعاني تبعاته حتى الآن.
أما بالنسبة إلى إيران، فتقدّم نفسها وسيطاً محايداً بين الطرفين المتنازعين يسعى إلى إنهاء التوتر وتهدئة الأوضاع ومنع الانزلاق إلى حرب واسعة، وهو موقف لا ينسجم إلى حد بعيد مع نهج النظام الإيراني الذي دأب على تشكيل التحالفات والمحاور، ومحاولة استغلال الثغرات في العلاقات بين الدول لاستمالة طرف دون آخر، ويبدو أنها وقعت في حرج ألزمها اتخاذ هذا الموقف على الرغم من أنها تُعدّ الأقرب إلى أذربيجان جغرافياً؛ تتشاركان في خط طويل من الحدود والعديد من النواحي الثقافية والعرقية والدينية، غير أنها لا تريد من ناحية ثانية الظهور بمظهر المعادي لأرمينيا حتى لا تثير حفيظة روسيا التي تتشابك معها بشكل كبير في الملف السوري، وخاصة أن موسكو تعتبر أرمينيا بلداً حليفاً لها، وتقيم معها علاقات أوثق من علاقاتها مع أذربيجان في إطار أحلاف سياسية واقتصادية وعسكرية تهيمن عليها روسيا، من أبرزها منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تربطها مع عدد من دول الاتحاد السوفييتي السابق.
أما روسيا والولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو أن كلاً منهما ما زالت تكتفي بنشاط حلفائها، وتميل إلى التعامل مع الأزمة بنوع من التروّي المشوب بالحذر من الإفراط في إبداء الدعم، باعتبار أن هذا الإفراط قد يؤدي إلى تفاقم النزاع وانزلاقه نحو مراحل أكثر خطورة، حيث تعرض روسيا وساطتها لإنهاء المواجهات الحدودية بين البلدين وتعرب عن قلقها العميق من التصعيد الحالي، وتؤكد الحاجة العاجلة إلى ضمان وقف إطلاق النار والاستعداد للوساطة، فيما أدانت الولايات المتحدة الاشتباكات على الحدود بين الجانبين ودعتهما إلى وقف استخدام العنف بشكل مباشر، والامتثال إلى وقف إطلاق النار، والتواصل المباشر من أجل منع تصاعد العنف واتباع الطرق السلمية لحل الخلافات، وأكدت عزمها، بصفتها الرئيس المشارك لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، المساعدة من أجل التوصل إلى حلّ سلمي لقضية إقليم «ناغورني قره باخ» (الأذري المحتل من قبل أرمينيا)، وهو الموقف ذاته الذي تبنّاه الاتحاد الأوروبي الذي تقع هذه الأحداث بالقرب من حدوده؛ حيث دعا الطرفين إلى وقف المواجهة العسكرية، واتخاذ تدابير فورية لمنع حدوث أي تصعيد إضافي.
ولكن روسيا التي يبدو أنها قررت صدّ الاندفاع التركي باتجاه مناصرة أذربيجان، بدأت استعراض قوتها مرة أخرى من خلال مناورات عسكرية لاختبار استعدادها القتالي ودخلت بصورة مباشرة على خط الأزمة، حيث أجرى وزير دفاعها، سيرجي شويجو، مباحثات مع نظيره الأذربيجاني ذاكر حسنوف، حول الاشتباكات على الحدود بين أذربيجان وأرمينيا.
ومع أن موسكو تصِف المناورات بأنها مراجعة روتينية لقدرة الجيش على ضمان الأمن في منطقة جنوب غرب البلاد، إلا أن حجم القوات والتجهيزات والأسلحة المستخدمة فيها لا يوحي بذلك، إذ يبلغ عدد الجنود المشاركين فيها نحو 150 ألف جندي، إضافة إلى 400 طائرة، وهو ما يوحي بأن روسيا تريد إرسال رسالة واضحة بأنها لن تسمح باضطرابات قد تفتح المجال أمام تدخلات دولية بالقرب من حدودها وخاصة أنّ أحد طرفيها حليف لها، والآخر شريكها الاستراتيجي في جنوب القوقاز.
وعلى الرغم من الوساطة التي تقوم بها «مجموعة مينسك» التي تضم دبلوماسيين من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة لحل النزاع بشأن إقليم «ناغورني قره باخ» والمناطق الأخرى التي يتنازع عليها البلدان، فإن المحادثات التي تجري في إطار هذه الوساطة تراوح مكانها منذ التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في عام 1994؛ إذ إن الوضع القائم حالياً يرضي أرمينيا باعتبارها الطرف المسيطر على المنطقة المتنازع عليها، كما يرضي مصالح روسيا الساعية إلى ترسيخ نفوذها في الجمهوريات السوفييتية السابقة، فيما يُهدد أذربيجان الغنية بموارد الطاقة، والتي يتخطى إنفاقها العسكري موازنة أرمينيا برمتها، باستمرار باستعادة السيطرة على المنطقة بالقوة.
الخلاف بين الجارتين، أذربيجان وأرمينيا، يتمحور حول إقليم «ناغورني قره باخ» وتعود جذوره إلى عام 1921 عندما ألحقت السلطات السوفييتية هذا الإقليم بأذربيجان، لكنه أعلن في عام 1991 استقلاله من جانب واحد بدعم من أرمينيا، وهو ما تسبب حينها بحرب راح ضحيتها 30 ألف قتيل، وتوقفت بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار عام 1994، حيث تطالب أذربيجان باستعادة السيادة عليه وعلى أراضٍ أخرى تحتلها أرمينيا منذ عام 1992، وتبلغ نسبتها نحو 20% من الأراضي الأذرية، بما فيها الإقليم المذكور آنفاً و5 محافظات أخرى غرب البلاد، وأجزاء واسعة من محافظتي «آغدام»، و«فضولي».
وفي موازين الجغرافيا والديموغرافيا، فإن أيّاً من البلدين لا يشكل قوة كبيرة أو مهددة؛ فأذربيجان وهي الأكبر لا تزيد مساحتها على 86600 كم مربع وعدد سكانها لا يزيد على 10 ملايين نسمة، في حين تبلغ مساحة أرمينيا 29743 كم مربع وتعداد سكانها نحو 3 ملايين نسمة، غير أن الخشية هي من أن يتحول النزاع بين البلدين الصغيرين إلى صراع بالوكالة قد تمتد نيرانه إلى ما هو أبعد من حدود القوقاز.

Share