صدى أزمة 2008 وتزايد خطر الركود العالمي

  • 7 يونيو 2012

في تكهنٍ قاتم وغير اعتيادي حول وضع الاقتصاد العالمي، كتب رئيس البنك الدولي، روبرت زوليك، مطلع هذا الشهر مقالاً في صحيفة فايننشال تايمز، قرر فيه أن "صيف عام 2012 يثير ذكريات عام 2008 المخيفة". وعلى الرغم من أن بؤرة عدم الاستقرار المالي العالمي الحالي تتركز في أوروبا، فإن البيانات الاقتصادية التي تتدفق من كافة مناطق العالم تشير إلى ما يبدو أنه تباطؤ اقتصادي "متزامن" في أنحاء الكرة الأرضية.

وفي الواقع، يلاحظ الخبراء الاقتصاديون توجهاً واضحاً بين الشركات العالمية نحو تأجيل خططها التي تستهدف رفع رأس المال؛ إذ إن المستثمرين يهجرون الأسهم، ويتقاطرون على الملاذ الآمن المتمثل في السندات الحكومية التي تصدرها الاقتصادات القوية نسبياً. وهناك مؤشر واضح على هذا الانحراف، وهو عائد سندات الخزانة الأمريكية التي مدتها عشر سنوات، والذي وصل إلى أدنى مستوياته منذ 200 عام حيث بلغ 1.44% في الأول من يونيو 2012. وبالمثل، أخذ عائد سندات الدين التي مدتها سنتان في ألمانيا منحى سلبياً. وقد أصبحت الملاحظة التي أطلقها ويل روجرز منذ عقود ذات شعبية كبيرة الآن؛ حيث أوضح أن هَمّ المستثمرين الأكبر هو استعادة أموالهم، وليس الحصول على العوائد منها وحسب.

ومما لا شك فيه أن معظم القلق الحالي ينبع من حالة عدم التأكد من مآل الوضع الاقتصادي في أوروبا. وهناك مشكلتان رئيسيتان تكمنان في قلب الأزمة الحالية التي تعاني منها القارة. تنبع المشكلة الأولى من احتمال وجود خطة إنقاذ جديدة لليونان؛ حيث من المتوقع أن تنفد أموال حكومتها في شهر يوليو القادم. ومما يزيد من تعقيد هذه المسألة هو عدم وضوح الصورة بشأن الانتخابات البرلمانية اليونانية، التي ستجرى في 17 يونيو الجاري، والتي يتوقع الخبراء أن تسفر عن وصول حزب سيريزا (Syriza) اليساري إلى السلطة. وهذا الحزب يعارض شروط الاتحاد الأوروبي بشأن خطة إنقاذ البلاد. ويُخشى من أن الموقف المتشدد لحكومة أكثر تطرفاً في أثينا قد يخيف المتبرعين ويبعدهم. ومن ثم، فإن سيناريو خروج اليونان من منطقة اليورو، المستبعد حتى الآن، قد يصبح احتمالاً وارداً. وفي الحقيقة، فإن هذا الوضع قد يسبب أزمة مالية عالمية، يتوقع بعض الخبراء أن تكون أسوأ مما حدث عقب انهيار بنك ليمان براذرز في عام 2008.

أما المشكلة الثانية، فتكمن في إسبانيا التي تشكل نقطة الضعف الأخرى في الاتحاد الأوروبي. وتشير التقديرات إلى أن النظام المصرفي المتعثر في البلاد بحاجة ملحة الآن إلى حوالي 75 إلى 100 مليار يورو، مع العلم أن الحكومة الإسبانية غير قادرة على الاقتراض من السوق الدولية. في الواقع، اعترف وزير الخزانة الإسبانية مؤخراً بـ"أننا كدولة لدينا مشكلة في الوصول إلى الأسواق، في حين نحن بحاجة لإعادة تمويل ديوننا."

وبينما يفكر الاتحاد الأوروبي ملياً بالمسار الصحيح للعمل، حذر الملياردير جورج سوروس من أن القادة الأوروبيين ليس أمامهم سوى ثلاثة أشهر لإنقاذ اليورو. غير أن الرئيس الأمريكي السابق، بيل كلينتون، قد اختصر هذا الموعد النهائي في حديثه إلى وكالة أنباء بلومبيرج الاقتصادية، عندما تكهن بأن أوروبا بقي أمامها 30 إلى 50 يوماً كحدٍّ أقصى لمعالجة الأزمة.

وفي حين تدق نواقيس الخطر بصوت عالٍ وبسرعة في أوروبا، تبدو الأوضاع في بقية الاقتصاد العالمي مطمئنة إلى حد قليل. فقد صرحت وزارة التجارة الأمريكية، في 31 مايو المنصرم، أن الناتج المحلي الإجمالي لأكبر اقتصاد في العالم قد نما فقط بمعدل 1.9% خلال الربع الأول من العام الجاري، أي أقل من المعدل المتوقع بنحو 2.2%، وأبطأ بكثير من نسبة النمو التي بلغت 3% في الربع الأخير من العام الماضي. وأعقب هذا الخبر ضربة أخرى في الأول من يونيو، عندما أظهرت أرقام وزارة العمل الأمريكية أول زيادة في أعداد البطالة بنسبة 8.2% خلال تسعة أشهر. وقد أضاف الاقتصاد الأمريكي زيادة طفيفة لا تتجاوز 69,000 وظيفة في شهر مايو؛ أي أقل من نصف عدد الوظائف التي توقعها معظم المحللين في هذا الشهر، حيث توقعوا إضافة 158,000 وظيفة. علاوة على ذلك، عدلت وزارة العمل الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها في شهر إبريل من 115,000 إلى 77,000 وظيفة. كما تبين أن مؤشر (U6) للبطالة (وهو مقياس للبطالة يشمل الباحثين عن عمل وغير المتفرغين الذين يسعون لوظيفة بدوام كامل)، قد ارتفع من 14.5% إلى 14.8%. كما فقدت صناعة البناء والتشييد التي تشير إلى حالة الإسكان حوالي 28,000 وظيفة، في حين أن التوظيف في قطاع التصنيع قد تباطأ.

وعلى نحو مشابه، جاءت الأخبار من محرك النمو الجديد في العالم (الاقتصادات الناشئة، ولا سيما دول البريكس) مقلقة على حد سواء. فبعد عقد من "النمو الفائق"، يتوقع البنك الدولي أن يتباطأ معدل النمو الصيني إلى 8.2% هذا العام، أي بنسبة تقلّ بـ1% عن نموه الذي بلغ 9.2% في عام 2011. وينظر العديد من خبراء الاقتصاد بكثير من الشك إلى هذه التوقعات المعدلة من قبل البنك الدولي؛ لأنهم يخشون من أن الانخفاض الحاد في الطلب على الكهرباء في الصين والإنتاج الصناعي وإنتاج المصانع ومبيعات التجزئة، تشير إلى وجود انكماش أكبر. وفي الواقع، يعاني القطاع الصناعي الصيني من الانكماش طوال الأشهر السبعة الماضية. ووفقاً للتقرير الصادر عن المكتب الوطني للإحصاء في البلاد وعن الاتحاد الصيني للخدمات اللوجستية والمشتريات، هبط مؤشر مديري المشتريات (PMI) في البلاد إلى 50.4 نقطة في مايو الفائت بعد أن كان قد بلغ 53.3 نقطة في إبريل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن النمو لا يتحقق إلا عندما يتخطى مؤشر مديري المشتريات عتبة 50 نقطة.

أما بالنسبة للهند، فإن بيانات الحكومة في الربع الأول من عام 2012 تُظهر أن معدل نمو البلاد انحدر إلى أدنى مستوى له منذ تسع سنوات. وتشير التقارير إلى أن النمو بلغ 5.3%، منخفضاً عن نسبة 9.2% المسجلة في الربع الأخير من عام 2011. ومن الواضح أن هذا البلد يعاني أزمة اقتصادية حادة؛ تُعزى إلى ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع العجز المالي والعجز القياسي في الحساب التجاري. وقد انخفضت العملة الهندية (الروبية) مؤخراً إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق؛ لتبلغ قيمتها 56.50 مقابل الدولار الأمريكي. ويبدو أيضاً أن الأنباء الواردة من البرازيل، التي تفوقت على بريطانيا العام الماضي كسادس أكبر اقتصاد في العالم، غير سارة هي الأخرى. فقد تباطأ النمو في هذا البلد إلى 2.7% العام الماضي بعد أن كان قد بلغ 7.5% عام 2010. ووفقاً لوكالة رويترز للأنباء، من المتوقع أن تظهر البيانات الرسمية المقبلة أن الناتج المحلي الإجمالي في البرازيل قد ارتفع بواقع 0.5 بالمائة فقط خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2012 مقارنة مع الربع الماضي. أما فيما يتعلق بروسيا، فقد انخفضت قيمة الروبل الروسي بشكل كبير.

وفي ظل هذه الأوضاع الكئيبة، تترقب الأسواق المالية العالمية مبادرة سياسية جديدة من جانب الاقتصادات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية. ويقال إن الاتحاد الأوروبي يدرس مجموعة متنوعة من التدابير، من قبيل اعتماد سياسة نقدية أكثر تكيفاً، وخفض الفائدة، وتأسيس اتحادٍ للمصارف أو صندوقٍ للديون، وإنشاء "سندات اليورو" أو اتحاد مالي…الخ؛ من أجل التغلب على الأزمة. كما تنعقد الآمال حول تنفيذ الولايات المتحدة جولة جديدة من التسهيل الكمي، وتمديد استقطاعاتها الضريبية إلى أن يتحسن اقتصادها على الأقل. بيد أن تقلبات السوق تمنح وقتاً قليلاً وهامشاً أكبر للخطأ بالنسبة لصانعي السياسات الاقتصادية على الصعيد العالمي لوضع استراتيجية مقنعة ومتماسكة وفعالة لكبح جماح الأزمة الاقتصادية سريعة الانتشار. وتدعو الحاجة الآن إلى القيام بإجراء دولي منسق. ومع ذلك، فإن اجتماع قمة السبع الكبار (G7) الذي عقد مؤخراً أظهر أن القيادات والمؤسسات العالمية ضعيفة جداً، ومنقسمة جداً، وغارقة في هول الأزمة الحالية.

Share