صحوة الانتخابات… العراق درساً ونموذجاً

  • 24 مارس 2010

يمكن هجاء إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش لألف سبب وسبب، والتنديد بطريقة معالجتها للأوضاع في العراق بعد إطاحة صدام وتخليص بغداد من قبضة الديكتاتور، لكن يجب أيضاً استخلاص بعض الحسنات من الاحتلال وأهمها بالتأكيد أنه أطلق حمَّى انتخابات في بلاد كانت لا تفتح صناديق الاقتراع إلا للمؤيدين للحاكم، ولا تنتظر النتائج، ولا تعيش ساعات وأياماً بعد انتهاء الانتخابات لمعرفة الرابح من الخاسر، أو تتابع مؤتمراً صحافياً لمفوضية الانتخابات.

لا يعني سقوط العراق وتفسخه إلى مكوناته البدائية واستشراء العنف الطائفي والإرهابي فيه أن قرار إزالة صدام كان خطأ، أو أنه كان أفضل للعراق لو استمر محاصراً في ظل حكم التعسف والاستبداد من أن يغرق في الفوضى. فالثمن الذي دفعه العراقيون للخروج من المرحلة السوداء باهظ، لكن مجرد تكرار الانتخابات وتطورها في الشفافية والنزاهة مرة بعد مرة رغم الشوائب والمخالفات، مؤشر إلى أمل بمستقبل أفضل، وإلى إمكان إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على قاعدة التعدد والاعتراف بالآخر، والرضوخ لديمقراطية الخيار الحر مهما شابها من نواقص ومهما أفرزت من فئات معادية للديمقراطية في الأساس.

ليست الانتخابات حلاً سحرياً للمشكلات البنيوية التي تعانيها الدول العربية ودول كثيرة في العالم الثالث تزخر بالأنظمة الثيوقراطية وتعج بالتوجهات المتطرفة التي تنظر إلى صناديق الاقتراع بوصفها معبراً للهيمنة على الأقليات أو المخالفين بالرأي حين يتعذر عليها السيطرة بقوة السلاح العارية. لكن ليس هناك من وسيلة أخرى تستطيع ردع التوجهات الإقصائية والأكثريات العمياء. فالعملية الديمقراطية تمتلك آليات مناعة تجعل النكوص عنها صعباً ومكلفاً خصوصاً أنه مسار يعاكس تطور أساليب الحياة ولا يتمثل إلا بنماذج عفا عليها الزمن ودفعت الشعوب أثمانها قهراً ودماً وعدم استقرار.

تحتاج الديمقراطية إلى ديمقراطيين. هذا صحيح. لكنه لا يعني الاستسلام لفكرة أن لا مبرر للانتخابات ما دام رافضو تداول السلطة سيشاركون فيها وسيستخدمونها مرة واحدة من أجل الاستئثار. فالديمقراطية وآلياتها تُطبِق في معظم الأحيان على الذين يدخلون إليها بنوايا طيبة أو سيئة، وقادرة بحسب التجارب التاريخية على تهذيب النزعات المتشددة وترويض أعدائها لتعويدهم على فكرة الربح والخسارة.

لا تحصى الأمثلة على انتكاسات تعرضت لها الديمقراطية في كثير من البلدان بفعل التدخلات الخارجية أو بسبب أطماع ضباط وأحزاب، بدءاً من سيطرة النازية والفاشية اللتين مهدتا للحرب العالمية الثانية، مروراً بتجارب أمريكا اللاتينية والدول العربية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وصولاً إلى انقلاب موريتانيا الأخير قبل أشهر معدودات، من غير أن ننسى أن قوة السلاح غير الشرعي الموجود في يد "حزب الله" في لبنان حالت دون أن تحكم الأكثرية التي جاءت بها الانتخابات في حزيران/يونيو الماضي، وأملت معادلة لا علاقة لها بصناديق الاقتراع. بيد أن تلك الأمثلة التي تكاد تشكل القاعدة في منطقتنا لا تدفعنا إلى الإقرار بأن العنف أولى من السلام، أو إلى الاعتقاد بأن شعوبنا تستحق الجور والاستبداد، وبأن القول المأثور "كما تكونون يولى عليكم" صالح على الدوام.

تبرز تجربة "البريسترويكا" نموذجاً صارخاً على عجز الديكتاتورية عن الاستمرار إلى الأبد، ودليلاً على أن فتح نافذة للهواء يمكن أن يحرر كل أرجاء المنزل من العفن. وفي هذا السياق فإن قمع "الثورة الخضراء" وسرقة أصوات ملايين الإيرانيين في انتخابات 12 حزيران/يونيو من العام الماضي ليسا نهاية المطاف في سيرورة التغيير في إيران مهما طال الزمن وتعددت العقبات. فالانتخابات الرئاسية التي أعادت أحمدي نجاد تحولت خطاً فاصلاً في مسيرة "الجمهورية الإسلامية" أجاز طرح مشروعية الثورة من الأساس ومشروعية "ولاية الفقيه"، وسلط الضوء على حاجات شعب لا يريد العيش خارج العصر ويرغب في حياة طبيعية ملؤها التقدم السلمي والازدهار.

كان لافتاً مشهد العراقيين يقترعون بكثافة داخل العراق مرة جديدة رغم القصف والعنف اللذين مارسهما متطرفو "القاعدة" وبقايا "بعث صدام"، مثلما كان لافتاً إقبال العراقيين في الخارج على المشاركة الفاعلة متطلعين إلى المساهمة في إعادة بناء الدولة في العراق. وهي مشاهد تختلف نوعاً عن تلك التي كانت تبصم بالدم أو تحوِّل حق الاختيار إلى مهزلة تمجد فيها الزعيم والوريث وترهب المعارضين أو الطامحين لممارسة حقهم في الاختلاف.

لا أحد ينكر أن كثيراً من الممارسات الانتخابية بعيد عن الديمقراطية المثلى. فالغالبية تقترع للطائفة أو للعرق وتمارس عصبيتها في الإجمال، بيد أن مجرد شعور المرء بأنه قادر على الاختيار وتحديد السياسات كاف للتمهيد لمرحلة أرقى تحل فيها البرامج محل الخطابات الطائفية والشعبوية، وإيجابية التغيير محل سلبية هزيمة المختلف مهما كان برنامجه وبغض النظر عن الأشخاص.

تحتاج الديمقراطية، في دولنا التي لم تنجز مؤسساتها الدولتية ولا استقر لها نظام ثابت لتداول السلطة سلمياً، إلى رعاية وحماية تستطيعان تمرير سنوات في معبر التوافقات الاضطرارية والتسويات إذا اقتنعت كل المكونات بواجب الحفاظ على الدولة بعد أن جربت حروبها الأهلية وحكم الاستبداد، مثلما تحتاج تلك الديمقراطيات الوليدة إلى تحصين دولي من التدخلات الإقليمية من الأنظمة الشمولية التي تسعى إلى امتلاك نفوذ خارج حدودها أو تخشى  انتقال عدوى الانتخابات الحرة إلى شعوبها.

رغم الآمال لا يزال العراق في غرفة العناية الفائقة. وللحكم على النتيجة يتوجب انتظار ما ستؤول إليه العملية السياسية والممارسة العملية للحكم. فإذا تمكن العراقيون من استخلاص عِبَر مرحلة الشقاق والتقاتل التي تلت سقوط صدام ساعين إلى الوحدة على أساس المواطنة والتعددية والحريات، عندها سيشفى "العراق المريض" لينقل عدوى الصحة والحياة إلى سائر الجوار. أما إذا فشل العراقيون في تحمل مسؤولياتهم، وفي إبعاد التدخلات الإقليمية المؤذية في وطنهم، فيُخشى أن ينشروا عدوى التفتيت والظلامية إلى أكثر من مكان. وهي مسؤوليتهم أولاً ثم مسؤولية دول الجوار التي لن تنجو من الآثار.

رغم كل ما تقدم يمكن القول بأن المنطقة تعيش صحوة انتخابات. فهذه إيران تناقش ما حصل مع موسوي وكروبي، وهذه مصر تنتظر التنافس على الرئاسة في العام المقبل، وهذا لبنان يكافح لعدم وأد نتائج انتخاباته. صحيح أن قوى الانقلاب والردة قادرة ومدججة بأيديولوجيات ظلامية وبسلاح العنف والإرهاب لكن إرادة الحرية موجودة ولها كثير من الأنصار، وهو صراع من طبيعة المجتمعات ودورات الحياة.

Share