شهادة "بتريوس" واستراتيجية الولايات المتحدة في العراق

د. كينيث كاتزمان: شهادة "بتريوس" واستراتيجية الولايات المتحدة في العراق

  • 23 سبتمبر 2007

أدلى كل من الجنزال "ديفيد بتريوس" والسفير الأمريكي بالعراق "رايان كروكر" بشهادتهما التي طال انتظارها أمام الكونجرس في العاشر والحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2007، هذه الشهادة التي احتوت على القليل من المفاجآت، نظراً لكم التسريبات الإخبارية التي شهدتها الأيام السابقة للجلسة، والتي اتسق الكثير منها مع ما ذكره "كروكر" و"بتريوس"؛ حيث أشارت هذه التسريبات الصحفية، التي لاقت اهتماماً كبيراً جعلها تحتل العناوين الرئيسية في العديد من الصحف، إلى احتمال عودة عدد القوات الأمريكية في العراق إلى مستوى ما كانت عليه قبل الزيادة الأخيرة وهو 130.000 جندي بحلول صيف 2008. وهذا المستوى هو نفسه الذي كانت عليه القوات الأمريكية في العراق خلال عامي 2004 و2006. أما مستوى القوات في عام 2005 فكان تقريباً مطابقاً للعدد الحالي بعد الزيادة الأخيرة التي أقرتها الإدارة وهو160.000 جندي؛ حيث كانت واشنطن قد أرسلت قوات أمريكية إضافية إلى العراق خلال عام 2005 لحماية الانتخابات الوطنية الثلاث التي أجريت في هذا العام.

وحتى الآن، تبدو إدارة "بوش" راضية عن نتائج هذه الشهادة، التي قدم خلالها كل من "بتريوس" و"كروكر" دليلاً مقنعاً على أن العراق يشهد تقدماً يستحق استمرار وجود القوات الأمريكية فيه. وتعتقد الإدارة بأن تصريح الرئيس "بوش" بشأن تخفيض مستوى القوات الأمريكية في العراق بحلول العام القادم (2008) سيكون كافياً لإقناع بعض أعضاء الكونجرس بعدم تأييد أية تشريعات أو خطوات جديدة تسعى إلى فرض إجراء تخفيض أعمق أو أسرع للقوات الموجودة هناك، أو بعدم الاستمرار في مهمة الولايات المتحدة بالعراق. ويبدو أن هذا الاعتقاد كان صحيحاً إلى حد ما، فمنذ إدلاء "بتريوس" بشهادته في منتصف سبتمبر/أيلول 2007، بدا واضحاً أن الأعضاء الديمقراطيين في الكونجرس لا يملكون الأصوات الكافية لفرض انسحاب أسرع  للقوات الأمريكية أو حتى تغيير مهمتها في العراق، وبدؤوا يبحثون بدلاً من ذلك عن حل وسط مع الجمهوريين حول عدد من الخطوات المحدودة مثل المطالبة بتناوب أفراد الجيش الأمريكي للحصول على مزيد من الوقت خلال عمليات نشر القوات بالعراق.

غير أن شهادة "بتريوس" ليست الكلمة الأخيرة في هذه القضية؛ فمن المرجح أن يحدث تغيير ما في رأي الكونجرس خلال خريف وشتاء 2007-2008 قبل أن يدلي الجنرال "بتريوس" بشهادته الجديدة في مارس/آذار 2008، لاسيما أن الأحداث في العراق غير ساكنة، كما أن الرأي العام الأمريكي مازال معارضاً للاستمرار في التورط في هذه الحرب بالنهج الحالي الذي تتبعه الإدارة الأمريكية. وقد كان تقلب الوضع في العراق واضحاً أثناء خطاب الرئيس "بوش" حول العراق يوم 13 سبتمبر/أيلول 2007، ففي وقت سابق من هذا اليوم نفسه قتل أحد أهم عناصر نجاح الولايات المتحدة في محافظة الأنبار، وهو الشيخ "عبد الستار أبو ريشة"، زعيم مجلس إنقاذ الأنبار، عقب انفجار قنبلة على جانب إحدى الطرق خارج منزله. ومن المتوقع أيضاً خلال تلك الفترة أن تتعرض الولايات المتحدة لمزيد من الاختبارات والضغوط من جانب الكونجرس، لاسيما مع ارتفاع الخسائر البشرية في صفوف القوات الأمريكية بالعراق. فمن المتوقع أن يصل معدل القتلى في صفوف الجيش الأمريكي في أواخر العام الحالي إلى حاجز الـ 4000 جندي، مقارنة بالعدد الحالي الذي لا يتجاوز 3800 جندي، إلى جانب الارتفاع الملحوظ في عدد الإصابات الكلية والتي قد تصل إلى معدل  80  إصابة شهرياً خلال عام 2007.

وربما يكون العنصر الأهم من ذلك كله، هو موسم الانتخابات المقبلة في الولايات المتحدة، وعلى وجه الخصوص فإن عدداً من الأعضاء الجمهوريين بمجلس الشيوخ الذين يخوضون تجربة إعادة انتخابهم يخشون من التعرض للخسارة نتيجة الرفض الشعبي وحالة عدم اليقين بشأن نتائج الجهود الحالية المبذولة في الحرب على العراق لدى الرأي العام. ومن المحتمل جداً، إذا لم تتحرك حكومة رئيس الوزارء "نوري المالكي" بشكل أسرع لإنجاز مشروع المصالحة السياسية، وإذا استمر العنف في العراق بمعدلاته الحالية، أن يبدأ أولئك الأعضاء، إضافة إلى أعضاء آخرين من الكونجرس، في معارضة خطط الرئيس "بوش" بوضوح والتصويت لصالح القيام بسحب أسرع للقوات من هناك.

ومع اقتراب موعد الشهادة الجديدة التي من المقرر أن يدلي بها الجنرال "بتريوس" في مارس/آذار 2008، ستتعرض الإدارة الأمريكية لمزيد من الضغوط لإظهار قدر أكبر من النتائج الإيجابية في العراق. ففي شهادتهما الأولى استطاع كل من الجنرال "بتريوس" والسفير "كروكر" إثبات أن الزيادة في عدد القوات بلغت أعلى معدلاتها فقط في يونيو/حزيران 2007، وأن هناك حاجة لمزيد من الوقت حتى تظهر الفوائد الأمنية لتلك الزيادة ويتم تحقيق المصالحة السياسية الوطنية. ولكن اعتباراً من مارس/آذار 2008، لن يكون في استطاعة الرجلين مجدداً تأكيد الحاجة إلى مزيد من الوقت لجني ثمار المصالحة الوطنية؛ حيث سيرى أعضاء الكونجرس أن بقاء هذا العدد من القوات لمدة ثمانية أشهر هي مدة كافية لإظهار مزيد من التقدم في هذا البلد وإقناع السياسيين العراقيين بإنجاز خطط المصالحة الوطنية.

وبمجرد أن تبدأ ضغوط الكونجرس على الإدارة في التكون مرة أخرى، سيكون على الرئيس أن يقرر ماذا يفعل، حيث سيكون حينئذ أمام بديلين لإرضاء الكونجرس، إما إجراء انسحاب واسع للقوات من العراق، أو تقليص المهمة الأمريكية في هذا البلد. ولكن من غير المرجح أن يقبل الرئيس بإجراء انسحاب سريع؛ لأن ذلك قد يؤدي، من وجهة نظر العديد من المراقبين، إلى حدوث انهيار سياسي عراقي واضح، ويؤكد عملياً وبشكل كامل فشل قراره الخاص بغزو العراق ومعالجته لآثار سقوط نظام "صدام حسين". من ناحية أخرى، ورغم أن الرئيس كان قد ذكر في السابق أن مهمة الولايات المتحدة والقوات الأمريكية في العراق يمكن أن تقتصر على القيام بدور "الإشراف العسكري" فقط، فإنه مازال مقتنعاً بأن القوات العراقية غير مستعدة بعد لاتخاذ دور الريادة الأمنية.

وإذا ما قرر الرئيس القيام بمبادرة مهمة في العراق، فمن المرجح بدلاً من ذلك أن يسحب تأييده لرئيس الوزراء "نوري المالكي" ويقوم بتغيير الحكومة العراقية الحالية. وقد وضع "بوش" بالفعل حجر الأساس لإحداث مثل هذا التغيير، فليس عليه سوى أن ينتقد عدم إحراز أي تقدم في مجال تحقيق المصالحة الوطنية والادعاء بأنه لم يتوقف عن حث الحكومة العراقية على القيام بمزيد من التقدم لتجنب خطر فقدان تأييد الرأي العام الأمريكي للجهود الأمريكية في العراق. ولكن مثل هذا التغيير ينطوي على مخاطرة كبيرة؛ لأن مبادرة الولايات المتحدة بإبعاد أو تنحية "المالكي" سوف تثير الانتقادات ضدها على اعتبار أنها تقوض بدلاً من أن تعزز من الديمقراطية في العراق، وهذه الانتقادات قد تكون أكثر حدة إذا تم إحلال "المالكي" برئيس الوزراء الأسبق "إياد علاوي"، الذي لا تشغل كتلته أكثر من 25 مقعداً فقط في مجلس النواب.

التغيير الجذري الآخر المحتمل أن يسمح به الرئيس، بعيداً عن سحب القوات الأمريكية، يتمثل في التخلي عن مبدأ الحكومة الوطنية القوية، وتأييد إقامة مناطق ذاتية الحكم تقطنها الطوائف الرئيسية الثلاث بالعراق. ويرى بعض المراقبين، في الوقت الحالي، أن الولايات المتحدة ومن خلال قيامها بدعم القبائل السنية والجماعات المتمردة السابقة، تتجه بالفعل نحو هذا الخيار، ولكن بشكل غير رسمي. غير أن إقامة مناطق ذاتية الحكم في إطار حكومة مركزية ضعيفة لا يمثل حتى الآن السياسة الأمريكية المعلنة، فلم يبد المسؤولون الأمريكيون أي تأييد لفكرة إضعاف الحكومة المركزية من خلال التعديلات الدستورية المقترحة أو عبر تغيير القوانين القومية المهمة كقانون النفط، الذي لا تزال الولايات المتحدة تحث الحكومة على سنّه. ولا تزال إدارة "بوش" تخشى من أن يؤدي الأخذ بفكرة المناطق ذاتية الحكم إلى بسط سيطرة إيران على جنوب العراق، وهي بالتأكيد نتيجة تتنافى مع مصلحة الولايات المتحدة. وبالتالي، فمن غير المرجح أن ينحاز الرئيس إلى هذا الخيار، إذا ما ازدادت ضغوط الكونجرس في خريف وشتاء 2007-2008 على الإدارة لإجراء تغيير حاد في مسار السياسة المتبعة في العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات