شركات الطيران والمنافسة في الأجواء المفتوحة

محمد العسومي: شركات الطيران والمنافسة في الأجواء المفتوحة

  • 15 مارس 2015

تفرض العولمة شروطها على البلدان والمؤسسات كافة في العالم، وتأتي مسألة انفتاح الأسواق واشتداد المنافسة وتغير طبيعتها في مقدمة التحديات التي لا بد من مواجهتها، إذ تقلّصت الفوارق بدرجة كبيرة بين البلدان الصناعية المتقدمة والبلدان النامية، التي استوعبت الكثير من مفاهيم السوق ودخلت بقوة في مجال المنافسة في أكثر من مجال، بما في ذلك قطاع الخدمات الذي يكتسب المزيد من الأهمية للاقتصادات الحديثة.

ومن بين البلدان النامية التي أسست نموذجها التنموي بإقامة مؤسسات عملاقة وذات طابع عالمي، تأتي دولة الإمارات العربية المتحدة المنافس القوي في بعض الأنشطة، وخصوصاً في قطاع الطيران المدني والسفر والسياحة، إذ أضحت مدينتا أبوظبي ودبي مركزين مهمَّيْن لصناعة السفر والسياحة والنقل الجوي كما أصبحتا من أهم نقاط الارتباط بين الشرق والغرب، بل وبين إفريقيا وشرق آسيا وبلدان الأمريكتين والقارة الهندية.

وبالـتأكيد، فقد أثار ذلك حفيظة شركات الطيران الغربية، التي رأت في ذلك تحدياً لها، علماً بأن شركات الطيران، الإماراتية خصوصاً والخليجية عموماً، لم تدخل بصورة مباشرة على الخطوط التقليدية للشركات الأوروبية والأمريكية، إلا أن مستوى الخدمات التي تقدمها الشركات الخليجية وسهولة التعامل معها، إضافة إلى أسعارها التنافسية شكّلت منافساً قوياً للشركات الغربية التي أصابها الترهل وسوء الإدارة، بسبب عدم وجود منافس لها على مدى عقود عدة.

وبدلاً من أن تسعى شركات الطيران الأمريكية والغربية إلى فهم حجم التغيّرات في عصر العولمة وإلى القيام بمراجعة شاملة لأدائها، وتحسين خدماتها ورفع قدراتها التنافسية، فقد اختارت للأسف، الحل الأسهل، وهو طلب الحماية من حكوماتها ومهاجمة الشركات الخليجية وتوجيه اتهامات غريبة استهجنها العديد من مسؤولي المؤسسات الاقتصادية العربية، الذين رأوا في ذلك محاولة للإبقاء على مستوى الخدمات المتواضع لشركات بلدانهم، مقارنة بالخدمات الراقية والأسعار التنافسية التي تقدمها الشركات الخليجية.

والحقيقة أنه لا نتيجة تُرجى من تصرف الشركات الغربية، فأسباب نجاح الشركات الخليجية لا يكمن في الدعم أساساً، حيث تحصل معظم الشركات الغربية على دعم مماثل من حكوماتها، وإنما في المنتجات المبتكرة والإدارة الجيدة، كما أشار إلى ذلك بصورة صحيحة رئيس "الاتحاد للطيران" في العاصمة أبوظبي.

مجمل هذه الأسباب تقف وراء تزايد حصص الشركات الخليجية في سوق السفر العالمية، حيث تستحوذ حالياً على 40% من سوق السفر بين الولايات المتحدة والهند من خلال تسيير 35 رحلة أسبوعية باستخدام أحدث أنواع الطائرات وتقديم أفضل الخدمات بأسعار تنافسية. وإلى جانب ذلك تسهم شركات الطيران الخليجية في تطوير صناعة الطائرات في الولايات المتحدة وأوروبا، إذ إنه من دون مشتريات الشركات الخليجية لم يكن بالإمكان تطوير طائرة "إيرباص 380" العملاقة، فشركة "طيران الإمارات" تعتبر أكبر مشغل لهذا النوع من الطائرات، بامتلاكها 55 طائرة، ومع ذلك لوَّحت الشركة الأوروبية المصنعة، مؤخراً، بإمكانية وقف الإنتاج ما سيؤدي إلى خسائر جسيمة وزيادة في البطالة، إلا أن الإنقاذ جاء مرة أخرى من "طيران الإمارات" التي أقنعت الشركة باستمرار الإنتاج وتقدمت بطلبيات إضافية.

أما شركة "الاتحاد للطيران" فسوف تتحول إلى أكبر مشغل لطائرة "بوينغ 787 دريم لاينر" بعد تأكيدها طلبيات لأكثر من 70 طائرة، ما سيضيف الكثير إلى الاقتصاد الأمريكي ويسهم في تخفيض معدلات البطالة، وتستحوذ الشركات الخليجية على أكثر من نصف طلبيات "الإيرباص" و"البوينغ" في منطقة الشرق الأوسط، فوحدها "الاتحاد للطيران" تقدمت بشراء 120 طائرة بقيمة 36 مليار دولار، وهو مكسب كبير لصناعة الطيران بشكل عام وللشركات المصنّعة على وجه الخصوص، إذ أضحى الارتباط وثيقاً بين صناعة الطيران في العالم والشركات الخليجية.

هذه المكاسب الكبيرة للاقتصاد الدولي وللاقتصادات الخليجية والأمريكية والأوروبية، إما أنها لا تعني إدارة شركات الطيران الأمريكية التي طالبت بالحماية، وإما أنها غير مدركة أو مستوعبة لها، إذ إن جلّ اهتمامها موجَّه إلى الجلوس في مكاتبها المريحة بغض النظر عن التطورات أو عن مستوى الخدمات المتواضعة أو الضعيفة التي تقدمها لزبائنها المتذمرين من مستوى هذه الخدمات ونوعيتها. لذلك لا يتوقع أن تستجيب الحكومة الأمريكية أو الحكومات الأوروبية الغربية لمطالب الحماية التي تقدمت بها شركات الطيران هناك، إذ إن ذلك سوف يعني توجيه رصاصة الرحمة إلى سياسة الأجواء المفتوحة التي أتحفتنا بها الولايات المتحدة لسنوات طويلة، وشكلت أحد أهم توجهاتها في السنوات الماضية.

لقد اكتسبت شركات الطيران الخليجية طابعاً عالمياً، سواء من خلال شبكاتها الممتدة إلى قارات العالم أو من خلال العامِلين لديها والقادمين من أكثر من 120 بلداً، الذين يمدون اقتصادات بلدانهم بتحويلات مالية كبيرة. ففي رحلتي الأخيرة بداية شهر مارس الجاري على "طيران الإمارات" وقف قائد الطائرة يودع المسافرين، وفي حديث سريع وعابر شكرته على الرحلة المريحة والهادئة وقد أسعده ذلك، وعندما سألته من أين أنت؟ أجاب إنني من الولايات المتحدة.

إن الشركات الخليجية أثبتت أن الأجواء المفتوحة تعد مكسباً للجميع وهي الطريق الصحيحة نحو التطور والنمو، أما الحماية وتوجيه الاتهامات التي لا تستند إلى أسس، فإنها سلاح الضعيف الذي تجاوز زمن "الإنترنت" والعولمة أسلوبه التقليدي في الإدارة، وأن الحل العملي يكمن في إنقاذ شركته من خلال ترك الإدارة لكفاءات شابة قادرة على المنافسة وفهم التغيرات بصورة صحيحة.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات