شرعية الشعب والإصلاح الشامل طوق نجاة الحكومة اللبنانية الجديدة

  • 28 يناير 2020

عادت الاحتجاجات والتظاهرات إلى الشارع اللبناني على الرغم من إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة، التي قال رئيسها حسان دياب إنها جاءت منسجمة مع تطلعات الشباب اللبناني وملبية لمطالب المحتجين، وإنها ستكون حكومة إنقاذ تعمل على إخراج لبنان من المأزق الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه نتيجة تراجع الدخول وازدياد معدلات التضخم والبطالة، وارتفاع المديونية الخارجية.
يبدو أنّ الحكومة «الرشيقة» التي أعلن حسان دياب تشكيلها يوم الثلاثاء الماضي وضمت 19 وزيراً إلى جانب رئيسها، بينهم العديد من الوجوه الجديدة تماماً على الساحة السياسية اللبنانية، لم تَرُق للكثير من اللبنانيين وخصوصاً أولئك المنخرطين في فعاليات الحراك المستمر منذ شهر أكتوبر الماضي، والذين ينظرون إليها على أنها حكومة «حزب الله» وحلفائه وليست حكومة لبنان.
التشكيلة الحكومية التي تمت هذه المرة بطريقة مختلفة عما جرى عليه عرف تشكيل الحكومات في لبنان من حيث مراعاة التوازنات السياسية ومراكز القوى الديموغرافية، تعتبر إلى حد بعيد حكومة تحالف قوى «8 آذار»، وينظر إليها على أنها تنطوي على إقصاء غير معلن للقوى السنية التقليدية في لبنان المتمثلة في تيار المستقبل وحلفائه، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الكثيرين داخل لبنان وخارجه، فيما ينظر إليها بعض اللبنانيين باعتبارها امتداداً لنفوذ القوى التي تسيطر على المشهد في البلاد منذ ما يزيد على 30 عاماً مع بعض الإضافات التجميلية.
الغضب تجاه الأوضاع الاقتصادية والخدماتية المتدهورة في لبنان ما زال متوهجاً تحت الرماد، وهو الذي دفع المتظاهرين إلى العودة إلى الشارع مرة أخرى حيث خرج المئات مساء يوم السبت باتجاه السراي الحكومي هذه المرة للتعبير عن رفضهم للحكومة الجديدة برئاسة حسان دياب التي اعتبروا أنها لا تلبي الحد الأدنى من المطالب التي وضعها الشعب اللبناني منذ بداية حراكه الشعبي قبل نحو أربعة أشهر؛ وفي مقدمتها إلغاء نظام المحاصصة السياسية والطائفية وخروج الطبقة السياسية التقليدية وممثليها ورموزها تماماً من المشهد اللبناني.
وبرغم أن معظم أعضاء الحكومة هم من الوجوه الجديدة غير المعروفة في الأوساط العامة ويتميزون بأنهم من الأكاديميين والمتخصصين، إلا أنّ بعضهم يشكك في استقلاليتهم عن القوى السياسية التي تحالفت في تشكيلها «حزب الله، حركة أمل، التيار الوطني»، وهو ما كشفته النزاعات بين الأحزاب السياسية والانقسامات التي طفت على السطح بشأن توزيع الحصص والحقائب الوزارية في أثناء مشاورات التشكيل قبيل ولادة الحكومة.
نجاح حكومة حسان دياب مرهون بقدرتها على التعامل مع العديد من التحديات التي يواجهها لبنان حالياً وكيفية إدارتها للملفات الملحة والعاجلة التي تحتاج إلى حلول غير تقليدية وقد تكون جراحية في بعض الأحيان، وفي مقدّمتها استعادة الدعم الدولي وثقة الدول المانحة وإحياء الاقتصاد المنهار الذي بدا واضحاً في شحّ في السيولة والارتفاع المستمر في أسعار المواد الأساسية وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار، واسترداد ثقة الشارع اللبناني الذي بات يراقب كل شاردة وواردة في أدائها.
رئيس الحكومة السابق، سعد الحريري، وزعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط، وهما من الوجوه ذات التأثير الواسع في الشارع اللبناني أرسلا إشارات إيجابية باتجاه الحكومة الجديدة، حيث طالب الحريري بمنحها الفرصة الكافية لتقديم ما لديها ومحاولة إخراج لبنان من عنق الزجاجة، فيما اعتبر الثاني أن مجرد تشكيل الحكومة وخروجها إلى الواقع هو بمثابة إنجاز ملموس يخرج لبنان من حالة الفراغ التي عاشها على مدار ما يزيد على أربعة أشهر، ويفسح المجال أمام مرحلة جديدة يمكن خلالها العمل على إصلاح الأوضاع ووقف الانهيار الاقتصادي الذي يهدد البلد.
ينصح المراقبون رئيس الحكومة الجديد بالتعامل مع الوضع على أنه مفترق طرق، وبالعمل على الاستفادة من الدعم الدولي المتاح من خلال إطلاق مشروع شامل للإصلاح يكون أساسه الخروج من عباءة الأحزاب واستمداد الشرعية من الشعب اللبناني فقط.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات