شراكة خليجيَّة لتعزيز التكامل

  • 2 يونيو 2016

طالما شكلت دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» نموذجاً ناجحاً لترجمة علاقات الأخوَّة إلى عمل ملموس، يتجاوز في أبعاده ومضامينه مفهوم التحالف السياسي التقليدي وعلاقات المصالح الاقتصادية الضيقة، إلى التكامل الحقيقي في مختلف المجالات؛ فأصبحت دول المجلس الست بمنزلة الجسد الواحد الذي يلعب فيه كل عضو دوره الذي لا يمكن الاستغناء عنه. وقد تمكَّنت منظومة «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» من اجتياز كل التحديات التي واجهتها طوال مسارها الذي تجاوز أكثر من ثلاثة عقود؛ فبرهنت بذلك على أن عوامل الوحدة والانسجام أقوى من كل الهزات، وأن الأسس التي قام عليها المجلس راسخة برسوخ قناعات قادة الدول الأعضاء، الذين آمنوا بأهمية توفير مناخ اقتصادي وسياسي واجتماعي ملائم لشعوب دول المجلس، وأظهروا حرصاً كبيراً على مصالح هذه الشعوب، وهي القناعات نفسها التي يتشبَّث بها القادة، الذين استطاعوا بكلِّ حكمة ومرونة تكييف تلك القناعات مع مجمل الصعوبات التي مرت بها منطقة الخليج خلال السنوات الأخيرة. ومن هنا تأتي أهمية الخطوات الاستراتيجية الجبارة التي اتخذتها دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» بإجماع لمواجهة المخاطر الأمنية والعسكرية والتهديدات المشتركة في المنطقة، وتجلَّى ذلك في توحيد القرار الخليجي السريع بقطع العلاقات وتجميدها، رداً على الاعتداءات الإيرانية المتكررة، أو الانخراط في عمليتي «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»؛ لردع التمدُّد الحوثي المدعوم من طهران، وقطع الطريق أمام الأعمال التخريبية التي يقوم بها ما يسمَّى «حزب الله» اللبناني. وعلى المستوى الاقتصادي اتخذت دول المجلس قراراً شجاعاً برفع فاعلية تعاونها الاقتصادي استجابة للرؤية التي تقدَّم بها خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، خلال قمة الرياض التي عُقِدت في ديسمبر الماضي. وقد جاءت «القمة الخليجية التشاورية» في مدينة جدة، مؤخراً، لتعطي الضوء الأخضر لتفعيل الاتفاق على «إنشاء هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية الخليجية»، وهي هيئة رفيعة المستوى تضم الدول الست، وتهتم بتطبيق السياسات والتوصيات في ملفات الاقتصاد والتنمية، كما يُراد لها أن تكون تكتلاً اقتصادياً خليجياً قادراً على التعامل مع كل التحديات الاقتصادية الإقليمية والعالمية.

إن الرؤية الجديدة، التي خرج بها أعضاء «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، وتجلَّت في نتائج قمة جدة الأخيرة، تنبع من فهم عميق للتحديات الاقتصادية الناجمة عن تراجع أسعار النفط، مع ما بات يتطلَّبه ذلك من وضع الخطط المشتركة للدخول في مرحلة ما بعد النفط، وسيتم تنفيذها استناداً إلى آراء وأفكار مجموعة من المتخصصين والمفكرين من أبناء دول المجلس، سيسعون بجهودهم إلى تحقيق هدف «المواطنة الاقتصادية الكاملة»، استكمالاً لما تم تحقيقه في مجال الشراكة الاقتصادية الخليجية خلال السنوات الماضية، واستجابة كذلك لتراجع نسبة النمو، وتنامي مخاوف العجز في الموازنات العامة جراء انخفاض عائدات النفط بسبب تراجع أسعار النفط عالمياً. كما أن دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، وانطلاقاً من إدراكها العلاقة العضوية بين التكامل الاقتصادي والبعد الأمني، أصبحت أكثر حرصاً على مواكبة كل خطوة من خطوات أخرى على صعيد توطيد الاستقرار؛ ولهذا ركزت دول المجلس، خلال الفترة الماضية، على تطوير أداء أجهزة الأمن؛ حيث عقد جهاز الشرطة الخليجية، قبل يومين، اجتماعاً في أبوظبي؛ تنفيذاً لقرار وزراء الداخلية في دول المجلس، الرامي إلى دعم التعاون وتعزيزه، وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات