شبح الفتنة في‮ ‬لبنـان

  • 21 سبتمبر 2010

يواجه لبنان شبح الفتنة من جديد في ظل تداعي الأحداث والتطوّرات بشكل متلاحق وخطر خلال الفترة الأخيرة، حتى بدت الأمور وكأنها تعود إلى فترة ما قبل “اتفاق الدوحة” في عام 2008. هناك مظاهر تحدٍّ واضح وصريح للقانون ومؤسسات الدولة من قبل بعض القوى، وهناك خطاب سياسي ينطوي على مفردات مقلقة، وهناك تهديدات متبادلة مباشرة أو مبطّنة، وهناك تصاعد في الحديث عن الفتنة والتحذير منها، وهناك احتقان شديد يعانيه المشهد السياسي والأمني اللبناني وتفوح منه رائحة الخطر، ليس لأنه أنهى فترة التهدئة القصيرة بين القوى السياسية المختلفة التي شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية، ولكن لأن سياق الأحداث يشير إلى أن الأمور ربما تدفع دفعاً نحو الصدام والمواجهة وهذا ما يتّضح من التصعيد المستمر في المواقف والتوجّهات دون أن تكون هناك تحرّكات فاعلة، سواء على المستوى الداخلي أو من الخارج، للسيطرة على الوضع ومنعه من الانفجار.

قضية “شهود الزّور” في التحقيق في اغتيال رئيس الوزراء الأسبق، رفيق الحريري، التي تمّت إثارتها خلال الفترة الأخيرة، هي السبب المباشر والظاهر لتوتر الأوضاع على الساحة اللبنانية بهذه الصورة الخطرة والسريعة، لكنها ليست السبب الوحيد، لأن انهيار التهدئة كان أمراً متوقعاً وطبيعياً ولم يكن ينتظر سوى السبب أو المفجّر في ظل الخلافات الكبيرة والخطرة التي كانت تتفاعل تحت السطح من دون حلّ أو تسوية، والقضايا العديدة والمعقدة العالقة دون تحرّك حقيقي وفاعل من أجل التعامل معها أو معالجتها من خلال مظلة وطنية. لبنان في حاجة إلى حوار وطني حقيقي وصريح تطرح فيه القضايا والخلافات كلها بصراحة ومن دون أي مواربة مهما كانت درجة التعقيد والحساسية فيها، والتخلّي عن سياسة تسكين المشكلات أو ترحيلها أو القفز فوقها، لأن هذه السياسة ثبت فشلها خلال السنوات الماضية ولم تحقق للبنان سوى فترات تهدئة قصيرة ومؤقتة. إن قضية شهود الزّور التي تثير هذه التوترات والاحتقانات جميعها بين القوى السياسية المختلفة ما هي إلا قمّة جبل الجليد الظاهرة على السطح على الساحة اللبنانية التي تعتمل بالكثير من أسباب الاضطراب والصدام، وهي الأسباب التي من الحتميّ أن يتم التعامل معها بشجاعة خلال الفترة المقبلة إذا ما أريد للبنان ولتجربته السياسية والاجتماعية ولشعبه متعدد الأديان والمذاهب الأمن والاستقرار الدائمان.

عندما تكون هناك مصادر عديدة للصراع في أي مجتمع من دون معالجة حقيقية، فإنه يكون معرّضاً للانفجار في أي وقت لأقل الأسباب، وهذا هو الحال في لبنان، ولذلك فإن المسؤولية الكبرى للقوى السياسية والدينية هناك هي تحصين هذا المجتمع لتمكينه من التعامل مع أي خلافات أو صدامات أو تطوّرات مهما كانت طبيعتها بثبات ووحدة.

هناك حالة من التحدّي والاستهداف بين القوى اللبنانية، وهذا يمكن أن يدفع البلاد إلى وضع خطر يتجاوز الاحتقان السياسي إلى الاحتقان الأمني، ولا شكّ في أن منع الأمور من الوصول إلى هذا الحد هو مسؤولية الجميع داخل لبنان دون استثناء.

Share