شباب العرب يهبّون لإنقاذ مستقبلهم

  • 16 فبراير 2011

تساؤلات عميقة ومؤلمة ومشروعة تطرحها ظاهرة الحراك الاجتماعي الذي بلغ حد الثورة في تونس ثم في مصر، ويطمح في بلدان عربية أخرى إلى إصلاحات قوية وجذرية وملموسة، وأي شيء أقل من ذلك سيكون مجرد خداع وإضاعة وقت بلا أي طائل.

ربما يكون ما نشهده نوعاً من "العدوى" الاجتماعية. الواقع أن الظروف مهيأة منذ فترة غير قصيرة؛ ففي السنوات الأخيرة باتت الأنظمة والحكومات نفسها تشكو من الأوضاع بمقدار ما تشكو مجتمعاتها، وكأن الذين في سدة المسؤولية لا علاقة ولا ذنب لهم فيما آلت إليه أحوال شعوبهم.

ثمة سياسات خاطئة، سواء في خطط التنمية أو في عملية توزيع الموارد أو في السهر على سيرورة الاقتصاد والمعيشة وفرص العمل، هي التي زرعت القهر والنقمة والحرمان. وثمة ممارسات ظالمة، سواء في انتهاك حقوق الإنسان والحريات وكرامة المواطن، هي التي فاقمت مشاعر الغضب وشحذت النفوس إلى الخلاص. وثمة خيارات اتخذتها الحكومات، سواء في التعامل مع الأطياف السياسية أو في السياسة الخارجية، لم تراع فيها حساسيات الشعب وخصوصياته وطموحاته، وبالتالي وضعت نفسها في خصام تاريخي مع هذا الشعب. وفوق كل ذلك، جاء استشراء الفساد بأشكاله وأساليبه المختلفة ليزكي الشرارات التي أشعلت، وقد تشعل، المزيد من الثورات أو الاحتجاجات.

مثّل الحدثان المصري والتونسي لحظة تاريخية في منطقة عربية تنبهت شعوبها فجأة إلى أن بإمكانها أن تفرض التغيير طالما أنه لن يأتي من تلقائه. فالأوضاع تكاد تكون متشابهة، والإصلاحات المطلوبة تراوح مكانها منذ سنوات، وأحياناً منذ عقود؛ لأن القوى المتسلطة تقاومها ولا ترى لها مصلحة فيها. وقد لوحظ في تونس، مثلاً، أن الحكم السابق عندما شعر بجدية التحرك الشعبي غدا بين عشية وضحاها مدركاً تماماً لما يجب عمله. ففي مداخلاته التلفزيونية المتتالية أورد الرئيس السابق عناوين الإصلاحات الملحة والضرورية، وتحدث عن بطالة الشباب المتعلمين وضرورة مكافحتها، وعن محاسبة الفاسدين، وعن تحرير الإعلام، أي إنه أعترف بأن السياسات والممارسات التي كانت مطبقة هي التي انفجرت في الشارع. وهذا يقود إلى سؤالين: الأول، ألم تكن حكومته تعرف بأن هناك أخطاء في خياراتها؟ والثاني، إذا كانت هناك خيارات مشابهة في بلدان أخرى فهل تعلمت الحكومات الدرس التونسي وباتت أكثر استعداداً لاستباق الشارع؟

لا شيء مؤكداً، لكن في مقابل الغليان الاجتماعي لاحت مؤشرات حراكات حكومية هنا وهناك، عير أن المشكلة تكمن في عمق ثقافة الحكم والإدارة، وفي التراكمات السلبية التي أدت إلى تحجر العقلية الحاكمة. كثيرون في الغرب كتبوا غداة اندلاع الثورة الشبابية في مصر أن العالم العربي يشهد الظواهر نفسها التي عاشتها أوروبا الشرقية في عام 1989 عشية سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي. وتعود هذه المقارنة إلى أن البلدان العربية تعاني صعوبات في علاقات الحاكم مع المحكوم، فضلاً عن مصاعب اقتصادية واجتماعية، كما أنها لم تشهد تطويرات جوهرية لأنظمة الحكم فيها أو في أساليب عملها، ولم تقم بتجديد الوجوه والدم والخبرات. وعلى الرغم من أن روح العصر تغيرت وراحت توحي بضرورة التغيير، فإن الحكام الموجودين في مناصبهم لأزمان طويلة فقدوا القدرة على التجديد، وباتوا أسرى رؤى جامدة، ولم يعد لهم سوى هم واحد هو البقاء في السلطة، ولأجل ذلك استسهلوا إحاطة أنفسهم بموالين غارقين في الفساد ما لبثوا أن أصبحوا عبئاً على الحكم وعلى الدولة وعلى مستقبل بلادهم. وكان لافتاً مثلاً، أن الرئيس المصري السابق سارع في خطابه الأول بعد اندلاع الثورة إلى استخلاص الفشل الذي رسم خياره الاعتماد على حكومات يديرها رجال الأعمال.

في أعقاب الهجمات الإرهابية في سبتمبر 2001، وغداة حرب العراق عام 2003، ضغطت الإدارة الأمريكية برئاسة جورج بوش لإنشاء ما سمي "الشرق الأوسط الجديد"، واختيرت لهذا المشروع عنواين الديمقراطية والإصلاح السياسي وإنهاض الاقتصاد واحترام حقوق الإنسان. لكن الطريقة التي اتبعتها تلك الإدارة سواء لترويج مشروعها أو لتطبيقه لم تكن ملائمة؛ إذ جعلتها أشبه بإملاءات تحددها الدول الغربية، وترمي من ورائها إلى تغطية عملية تغيير الأنظمة على غرار ما باشرته في العراق. ولذلك واجه المشروع مقاومة شرسة من جانب الأنظمة القائمة التي دافعت عن مبدأ مقبول، هو أن أي ديمقراطية يجب أن تتبلور في الداخل وتستمد شرعيتها من الشعب، إلا أن هذه الأنظمة لم تشرع في أي إصلاح يشي بأنها تلقت رسالة القوى الخارجية وفهمتها، ولكنها ستتصرف في ذلك وفقاً لمصالح بلدانها. بل على العكس أدى التجاذب بين الداخل والخارج، وبعد فوز حركة "حماس" في الانتخابات الفلسطينية (2006) وبروز "الإخوان المسلمين" في الانتخابات المصرية (2005) رغم الجهد الذي بذله النظام لإسقاط مرشحيهم، أدى إلى إعادة إقناع الإدارة الأمريكية بأفضلية الاعتماد على الأنظمة القائمة وتعزيزها، باعتبار أن الأوضاع العامة في المنطقة تتطلب استمرار التعويل على الأمن، عقلية وأجهزة.

غير أن سياسة القبضة الأمنية، حيثما مورست، لم تستهدف الإرهابيين والمخربين فحسب، وإنما سحقت في طريقها القوى الوسطية غير المعتمدة على العنف، والمتبنية لمطالب تعتبرها الأنظمة وطغمة المستفيدين منها مزعجة وغير مقبولة. وكانت الأنظمة اهتدت إلى كل الوصفات والخطط التي تساعد على احتواء أحزاب المعارضة والفئات ذات الرأي المخالف، وأصلاً كانت هذه الأحزاب، ولا تزال، محدودة الشعبية والنفوذ والتأثير، تحديداً بسبب القمع والملاحقة والاعتقال والتنكيل والتعذيب الذي تعرض له أنصارها طوال عقود. وكان لابد أن تأتي المفاجأة للأنظمة والحكومات من حيث لا تتوقع ولا تدري.

جاءت المفاجأة من الشباب غير المنتمي إلى أي من أحزاب المعارضة التقليدية، أو قل المنتمي إلى ما بات يعرف بأنه أكبر الأحزاب على الإطلاق، إنه حزب "الفيسبوك" و"تويتر"، حزب التواصل عبر شبكة "الإنترنت" التي بات وجودها أو حجبها أو التلاعب بها من معايير حرية التعبير والاقتراب من الديمقراطية وملامسة العصر. ولم يعد هناك أي شك في أن نهاية نظامين نموذجين اعتمدا على الأمن في مصر وتونس، جاءت على أيدي أبناء جيل جديد، جيل له مفاهيمه السياسية الخاصة به، له أبطال وشهداء أصبحوا أيقونات لم يتنبه لها المجتمع إلا بعدما نزلت إلى الشارع وقادته نحو التغيير. وهناك اسمان برزا في بداية التحركين، التونسي محمد البوعزيزي، والمصري خالد سعيد. الأول أحرق نفسه غضباً ونقمة يأساً، فزلزل نفوس أبناء شعبه. والثاني كان مجرد ناشط يستخدم شبكة التواصل مع شبان مثله، وقضى بعدما تعرض لتحقيق مشبوه لدى أجهزة الأمن في الإسكندرية، ولم تشأ السلطات المختصة فتح تحقيق في مقتله رغم إلحاح أهله وأصدقائه.

هذه الظاهرة غير المسبوقة التي برهنت نفسها مرتين، وتمكنت من الإنجاز، بعفوية ولكن بتصميم وعزم، لم يعد بإمكان أحد أن يقضي عليها أو يعيد عقارب الساعة إلى الوراء. ثمة أجيال قضي على حاضرها ومستقبلها، لكن هذا الجيل يريد أن يضمن مستقبله، ومن واجب الحكومات أن تعي ذلك، وأن تذهب إلى ملاقاته برؤى منفتحة، وبسعي دؤوب إلى تنمية حقيقية وفرص عمل لا بقنابل الغاز والرصاص المطاط أو الحي. ولا شك في أن التحدي الأكبر للأنظمة والحكومات التي لم يطح بها بعد، وتريد الاستمرار في الحكم، أن تتمكن من تجاوز ذاتها رغم الصعوبات، فهي تعرف جيداً ما صنعت أيديها، وتعرف أيضاً وبدقة ما هي المطالب الشعبية. صحيح أنها قد تبدو متعلقة أو معنية بتغيير الشخوص والوجوه، لكنها معنية أكثر برؤية أن هناك تفهماً واستجابة وروحاً جديدة في خطاب الدولة وممارساتها ورؤاها المستقبلية. بديهي أن الوعود لم تعد كافية ولا تمنح أصحابها مصداقية فقدوها منذ زمن. ولذلك فإن المطلوب أولاً، وبكل إلحاح، الكف عن معاملة أبناء الشعب وكأنهم رعاع مستوردون، واعتماد خطاب يحترم المواطنين وذكائهم، وبالتالي الاعتراف بأن السياسات المتبعة فشلت وانتهت صلاحياتها، والأهم الآن هو الإصغاء إلى الشباب.

Share