شارون والتحريض على ضرب العراق

  • 25 أغسطس 2002
اهتمت الدوائر السياسية والإعلامية على الصعيد الإقليمي خلال الأيام الأخيرة بتسريبات إسرائيلية تناقلتها صحف تل أبيب حول خطط عسكرية تعدها حكومة شارون لتوجيه ضربة نووية إلى العراق في حال تعرض إسرائيل إلى هجوم صاروخي عراقي، كما اهتم المراقبون كذلك بالبحث في مغزى محادثات أجراها رئيس الوزراء الإسرائيلي مع مسؤولين أمريكيين وسعى خلالها إلى تحريض الإدارة الأمريكية للإسراع بشن حرب ضد العراق. ورغم تملص شارون مما نسب إليه من مواقف تحريضية، إلا أن الجانب الأهم لا يكمن بطبيعة الحال بالبحث في مدى صحة هذه المواقف أو دقتها بقدر ما يكمن في ضرورة تفهم أن هذا النفي "التكتيكي" يعكس بالدرجة الأولى محددات العلاقة وحدود القوة وهامش الحركة المتاح أمام شارون في تعاطيه مع الإدارة الأمريكية. فالأرجح أن تراجع شارون لا يعني بالضرورة نسفا لما نسب إليه من أقوال بقدر ما يعكس تلقيه رسالة تحذير واستياء أمريكية بعدم تجاوز الخطوط الحمراء والتدخل في قرارات واشنطن تجاه العراق، أو على الأقل الظهور أمام الرأي العام بصورة من يمارس ضغوطاً في هذا الاتجاه على الإدارة الأمريكية التي أثبتت غير مرة قدرتها على لجم شارون وإخضاعه لشروطها في مواقف معينة ومحددة بدقة.

وأياً كانت حقيقة ما دار في هذه المسألة، فإن الشواهد كافة تؤكد أن إسرائيل تسعى بشتى الطرق إلى تعظيم المردود الاستراتيجي للضربة الأمريكية المفترضة ضد العراق واستغلالها في تحقيق أهداف استراتيجية إسرائيلية موازية، فعلى سبيل المثال تزخر الصحف الإسرائيلية بتسريبات قد لا تخلو أحياناً من حقائق، أو على الأقل تدعو إلى البحث في جدية هذه التوجهات، فالبعض منها يتحدث عن استغلال الأجواء المواتية للضربة الأمريكية ورد الفعل العراقي المحتمل عليها في تنفيذ عملية تهجير وطرد جماعي عقابي للفلسطينيين (ترانسفير) فيما يتحدث آخرون عن أن هذه الأجواء مواتية للتخلص مما يصفه الإسرائيليون بتهديدات عسكرية قادمة من دول الجوار.

والنقطة الأهم -كما يطرحها المراقبون- أن حكومة شارون قد لا تنتظر "فعلاً" عسكرياً عراقياً لتقوم بالرد عليه، بل إن التسريبات التي تجاهلت سياسة "الغموض النووي" وجاهرت بالاعتراف علنا بامتلاك سلاح نووي يفوق في تأثيره ما لدى الجانب الأمريكي، ربما تعني أن شارون يخطط لاصطناع مبررات وهمية للاعتداء على دول عربية.

من الوارد بالطبع أن يكون هدف حملة التسريبات الإعلامية الإسرائيلية قائم على تعظيم مفهوم "الردع بالظن" لدى العراق أو غيره من الدول العربية ضمن محاولات حكومة شارون تكريس تفوقها الاستراتيجي على الصعيد الإقليمي، أو أن هذه التسريبات تستهدف "جس نبض" الولايات المتحدة والدول الكبرى حيال مشاركة فعلية لإسرائيل في أي عملية عسكرية محتملة ضد العراق، ولكن ذلك لا ينفي -في المقابل- أن هذه التسريبات تثير تساؤلات جادة أهمها ما يتعلق بمدى إدراك المجتمع الدولي لخطورة التدخل العسكري الإسرائيلي المحتمل في الملف العراقي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات