"سيناريوهات كارثية" في الحرب المحتملة

  • 12 مارس 2003
قد يكون من باب المفارقة أن العراق كان منطلقاً للعديد من المصطلحات والمفاهيم التي زخرت بها الأدبيات السياسية والعسكرية خلال العقد الأخير، ويعد "السيناريو الكارثي" من بين تلك المفاهيم والمصطلحات التي أطلقت في خضم الاستعدادات لحرب الخليج الثانية، ثم عادت لتطفو على سطح النقاشات مجددا ضمن الجدل الدائر حول الخطط العسكرية الأمريكية والتأثيرات المحتملة لحرب وشيكة ضد العراق. وبطبيعة الحال، فإن صعوبة قراءة أو التنبؤ بمسار العمليات العسكرية الأمريكية المحتملة يجعل باب التكهنات مفتوحا على مصراعيه أمام المراقبين.

وإذا كان هناك من ينكب على استعراض سيناريوهات كارثية على الصعيد العملياتي والعسكري مثل استخدام أسلحة الدمار الشامل، فإن الأزمة تنطوي على سيناريوهات كارثية أخرى لا تقل خطورة عن ذلك في مقدمتها وقوع كوارث بيئية. وربما تزداد أهمية الحديث عن ذلك في ضوء ما تردد مؤخرا من تأكيدات أمريكية، ونفي عراقي، حول وضع متفجرات عند حقول النفط في مدينة كركوك بشمال العراق للحيولة دون الاستيلاء عليها في حال شنت الولايات المتحدة الحرب. وأيا كانت صحة الحديث الدائر بشأن "تفخيخ" آبار النفط العراقي، فإن الأمر يستحق المناقشة والبحث المستضيف انطلاقا من خطورة التأثيرات السلبية لسيناريو كارثي كهذا، سواء على البيئة الإقليمية أو على الاقتصاد العالمي جراء الإشارات السلبية التي ستتلقاها السوق حول إمدادات النفط بما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، فضلا عن تأثيرات هكذا سيناريو على الشعب العراقي الذي يستحق بالفعل رفع معاناة إنسانية دامت أكثر من عشر سنوات بدلا من مواصلة الحياة في بيئة ملوثة بمخلفات القصف الجوي من ناحية، وبالآثار البيئية المدمرة لإحراق آبار النفط من ناحية ثانية، ناهيك بالطبع عن الأزمات في الغذاء والدواء وغير ذلك من "توابع" محتملة.

ولعل الحديث عن احتمالات تحقق "سيناريو كارثي" يتعلق بآبار النفط العراقي يستدعي للذاكرة ما حدث منذ أكثر من عقد من الزمان في حرب الخليج الثانية حين اشتعلت النيران في أكثر من 600 بئر نفط كويتية، وسكب أكثر من 4 ملايين برميل من النفط في مياه الخليج العربي في خطوة لم تزل آثارها البيئية المدمرة موضع بحث من قبل الخبراء جراء ما حاق بالبيئة من تغيرات وتحولات بسبب تلك الكارثة التي أطلقت كميات هائلة من الغازات السامة التي أصابت بدورها الأخضر واليابس وتسللت إلى رئات ملايين من البشر الأبرياء على امتداد منطقة الخليج العربي.

وإذا كان الحديث -عسكريا- عن "سيناريوهات كارثية" يبدو مهماً ضمن حسابات النصر والخسارة للمخططين، فإن "تسلح" أطراف الأزمة بخطط وقائية من كوارث بيئية محتملة لا يقل أهمية سواء بالنظر إلى حجم تأثيراتها على حياة البشر، أو في ضوء امتداد تأثيراتها زمنيا، وكما يقال فإنه إذا كانت الأضرار الجانبية للحروب تحدد تقديريا بعدد الضحايا المدنيين أو الأملاك والمنشآت التي تم تدميرها فإن النتائج السلبية التي تتركها الحروب على البيئة يصعب تقييمها أو توقعها خلال المدى المنظور، وإذا كان هناك من يتحدث عن تقدم هائل في التكنولوجيا كضمانة لاحتواء أي خطر بيئي، فإن فداحة التأثيرات تستوجب الاستعداد للأسوأ في حرب مجهولة العواقب.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات