سياسات التوطين في مملكة البحرين آتت أكلها

سياسات التوطين في مملكة البحرين آتت أكلها

  • 2 فبراير 2010

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة حصرية مع معالي وزير العمل البحريني، الدكتور مجيد بن محسن العلوي، ناقش فيها عدداً من القضايا المتصلة بمخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي بصفة عامة، وفي مملكة البحرين بصفة خاصة، أهمها: التحديات التي تواجه سوق العمل وكيفية مواجهتها، وسياسات التوطين، والخلل في هيكل العمالة، وتطوير التعليم من منظور تنموي وغيرها. وقد أُجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة معالي الوزير الدكتور في فعاليات المؤتمر السنوي الخامس عشر، والذي يعقده المركز، في الفترة من 1-3 فبراير 2010. وفيما يلي نص المقابلة.

س1: ما هي أبرز التحديات التي تواجه سوق العمل، وكيف يمكن تشخيص القيود المعيقة لملاءمة مخرجات التعليم لمتطلبات سوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي بصفة عامة، ومملكة البحرين بصفة خاصة؟

ج: تتمحور تحديات سوق العمل في مملكة البحرين، مثل سائر دول الخليج العربية،  حول مجموعتين أساسيتين: المجموعة الأولى تختص بتحديات توظيف المواطنين البحرينيين، والتي تتفرع عنها تزايد حصة النساء في أعداد العاطلين عن العمل. والمجموعة الثانية تتعلق بإدارة العمالة الوافدة.

ينبغي علينا أن نؤكد أن التحديات المتعلقة بتوظيف المواطنين كانت، ولا تزال، وستظل الأولوية الرئيسية في نشاط وزارة العمل وكافة المؤسسات المعنية بإدارة سوق العمل في المملكة. وبالطبع، نحن هنا لا نقصد فقط حجم من يتم توظيفهم وأعدادهم، بل نوعية الوظائف التي يلتحقون بها، وبيئة العمل وشروطه التي تمكن المواطن من المساهمة الفعالة في عجلة التنمية.

وفي الحقيقة، فإن التحديات التي نواجهها في التنمية البشرية لمملكة البحرين مرتبطة إلى حد كبير ببيئة أسواق العمل في المنطقة. بل يمكننا القول إن التحديين الأساسيين اللذين يواجهانا في سوق العمل بالمملكة (توفير فرص عمل للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتقليص الاعتماد على العمالة الوافدة متدنية المهارات) يجدان انعكاسهما على صعيد دول مجلس التعاون الخليجي بصورة تجعلنا جميعا ركاب في سفينة واحدة معاً؛ الأمر الذي يتطلب تكاملاً في سياسات دول المجلس وإجراءاته على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحديثاً مستمراً لدور المؤسسات المعنية الرسمية وغير الرسمية.

إن منظومة كاملة من العادات والقيم قد تكرست خلال العقود الماضية في ظل اعتماد شبه مطلق على العمالة الوافدة، وفي ظل "عزلة" مستمرة بين مجتمعين متوازيين: مجتمع المواطنين، ومجتمع "الوافدين" ولا يمكن معالجة ذلك فقط عبر إجراءات إدارية وتقنين أنظمة الاستقدام مهما كانت متطورة وحديثة.

إن تحدي العمالة الوافدة أصبح تحدي المجتمع بأكمله دولة ومواطنين. ولا يمكننا التصدي لذلك بالاعتماد على دور وزارة أو مؤسسة واحدة فقط، وعلينا أن نبحث عن طرق أكثر فاعلية في العمل المشترك بين دولنا للتعامل مع هذه الظاهرة المقلقة، ولاسيما أن أساليبنا الحالية في الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية للخليج العربي تواجه بعواصف عاتية تحملها موجات العولمة.

وقبل تشخيص القيود المعيقة لملاءمة مخرجات التعليم لمتطلبات سوق العمل في التجربة البحرينية، يجدر بنا أن ننبه إلى أن سوق العمل لا يجب أن يكون الموجه المحوري للسياسات التعليمية. فالتنمية البشرية، تنمية الإنسان روحياً واجتماعياً وسياسياً وقومياً، يجب أن تكون الموجه الأساسي للتعليم. فأهداف التنمية أكبر من احتياجات سوق العمل.

ولكن المشكلة أن السياسات الاقتصادية في العالم العربي لا يسري عليها تأثير المخططين للعملية التعليمية، ولا المشرفين على سوق العمل. وبالتالي، يحصل عدم تواؤم بين الداخلين لسوق العمل ومتطلبات هذا السوق. ومن ثم، فإن الحل يكون في وجود تنسيق مركزي في الدولة بين المسؤولين عن خطط التنمية والمسؤولين عن التعليم والمسؤولين عن سوق العمل. ويعني هذا أن سياسات التوظيف لا تصبح فعالة إلا حين تتكامل مع السياسات الاقتصادية ونوعية الطلب على العمالة، بصورة تمكن من الاستفادة المثلى من الاستثمار الكبير الذي تقوم به الدولة في مجال تعليم مواطنيها الشباب وتأهيلهم.

س2: ما أهم ملامح تجربة مملكة البحرين في إصلاح سوق العمل؟

ج: تستند استراتيجية سوق العمل المعتمدة في مملكة البحرين إلى التكامل بين سياسات سوق العمل النشطة مع السياسات الوقائية، وهو ما يشكل قاعدة سياسات توظيف المواطنين. فالبحرين هي الدولة العربية الوحيدة التي توفر منافع تأمين ضد البطالة. وقد تم تطبيق خطة التأمين ضد التعطل منذ عام 2006 في سياق إصلاح سوق العمل. وتتيح الخطة دعم دخل العاطلين عن العمل، بما فيهم الباحثون عن عمل لأول مرة. كما تُسهل إعادة إدماجهم في وظائف منتجة؛ وبالتالي تحميهم من تداعيات الصدمات الاقتصادية. وتعتبر التجربة البحرينية نموذجاً رائداً في المنطقة.

يستند إصلاح سوق العمل في مملكة البحرين إلى وثيقة مرجعية هامة، تم إصدارها في 2007، وهي الخطة الوطنية لسوق العمل، والتي تضمنت أهدافاً عدة أهمها: تحقيق التوافق الوطني بين الأطراف الثلاثة لسوق العمل (الحكومة، أصحاب العمل، العمال)، دعم القطاع الخاص ليكون المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي في المملكة، تحقيق التوازن في توفير احتياجات أصحاب العمل من العمالة الوافدة، تمكين البحرينيين ليكونوا الخيار المفضل في التوظيف، الحد من ظاهرة العمالة السائبة والممارسات غير القانونية في سوق العمل، وتسهيل الإجراءات وسرعة إنجاز المعاملات بكفاءة عالية.

س3: هل يمكن أن تلقي مزيداً من الضوء على سياسات التوطين في مملكة البحرين؟ وما هي فرص العمل التي يتناسب توطينها ومخرجات التعليم فيها؟

ج: في البداية، يجب أن نشير إلى المشروع الوطني للتوظيف (يناير 2006-يونيو 2007) والذي خصصت له ميزانية قدرها 80 مليون دولار. فقد تمثلت فكرة المشروع في توظيف الباحثين عن عمل في القطاعين العام والخاص، من خلال تقديم وزارة العمل للدعم الفني والمالي لعملية التوظيف في ثلاثة مستويات، هي المستوى الحرفي والمستوى الفني والمستوى التخصصي. وقد تم إنشاء مراكز متعددة لتسجيل الباحثين عن عمل موزعة على مختلف مناطق البحرين. كما تم إنشاء مركز رجال الأعمال لتسهيل تعاملات المستثمرين، وحصر الوظائف الشاغرة. علاوة على ذلك، استحدث المشروع التوظيف الجماعي الذي يعتبر أحد طرق التوظيف الجديدة، والتي يتم فيها التقاء أصحاب العمل مع مجموعة من الباحثين عن عمل، ويُختار الفرد المناسب للوظيفة تحت رعاية مرشدي التوظيف. وقد بلغ عدد من تم توظيفهم في نهاية البرنامج نحو 17.5 ألف فرد. 

وضمن المشروع الوطني للتوظيف، تم إيلاء أهمية خاصة لتحسين أجور العاملين في القطاع الخاص للبحرينيين من متدنيي الأجر في إطار برنامج التطوير المهني لتحسين الأجور. ترافق كل ذلك مع برامج تهدف إلى رفع كفاءة مسؤولي التدريب بالشركات. حيث نفذت ورش عمل لمسؤولي التدريب والموارد البشرية في الشركات لتطوير الخطط والبرامج التدريبية لموظفي الشركات، ووضع جدول زمني لتطبيق تلك الخطط والبرامج؛ من أجل تطوير قدرات البحرينيين العاملين في تلك الشركات وتزويدهم بالمهارات اللازمة.

يضاف إلى ذلك كله تنظيم سوق العمالة الوافدة؛ من أجل توفير بيئة تنافسية عادلة لمواردنا البشرية. في هذا الخصوص، نفذت هيئة تنظيم سوق العمل (أنشئت عام 2006)  مجموعة واسعة من المشاريع الهادفة إلى تطوير خدمات إصدار تصاريح العمل وأتمتتها، واتباع سياسة تدريجية لزيادة رسوم العمالة الوافدة. ولا نبالغ إذا أكدنا أن ذلك يشكل عصب مشروع إصلاح سوق العمل؛ نظراً للأهمية الحاسمة لأداة الرسوم في توفير قاعدة عادلة للمنافسة بين العمالة البحرينية ونظيرتها الوافدة.

وقد جاءت النتائج إيجابية. فقد انخفضت نسبة البطالة من 16% إلى 4% حالياً. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، تراوحت معدلات البطالة بين 3.8% إلى 4.2%، وهي معدلات مأمونة. حتى أثناء الأزمة الاقتصادية الراهنة، خلال الـ 12 شهر الأخيرة، استطعنا أن نمنع ارتفاع معدلات البطالة. ولدينا تأمين ضد البطالة، كما سبق أن أشرت؛ فسياسات التوطين في البحرين ناجحة. ولكننا ننظر إلى المستقبل، ونطمح إلى معنى تأمين فرص العمل لآلاف الداخلين الجدد إلى سوق العمل، خاصة من الجامعيين، من خلال تشييد جسر من نظام التعليم إلى سوق العمل، وهو جسر تدريب وتأهيل.

وبالنسبة لفرص العمل المناسب توطينها في مملكة البحرين، فأعتقد أنها تقع في مجالات الاتصالات وتقنية المعلومات وصناعات النفط والألمونيوم وغيرها من الصناعات التحويلية. فهناك الآن 98% من العمالة في صناعة الألمونيوم والنفط والبتروكيماويات،  و86% من العمالة في القطاع البنكي وقطاع التأمين من البحرينيين. ويذكر أن البحرين أكبر مركز مالي في المنطقة ولديها أكبر مصنع ألومونيوم في الشرق الأوسط. كما أن الوظائف في قطاعي الاتصالات والسياحة كلها تجذب عمالة وطنية. ولا يوجد في البحرين خبراء أجانب في صناعة النفط والغاز. كل الكوادر البشرية في هذه الصناعة والصناعات المرتبطة بها بحرينية.

لا توجد لدينا مشكلة في الوظائف العليا والمتوسطة، وإنما المشكلة في الوظائف الأقل الحرفية والمهنية، وتلك التي تتطلب عمالة غير الماهرة أو شبه الماهرة. وبالنسبة للأخيرة، فالدول العربية لا يمكنها المنافسة فيها، ومن ثم يصعب استبدالها بعمالة عربية، لأنها  تتطلب من يقبل مرتبات متدنية.

وبالنسبة لحجم العمالة الوافدة المتوقع دخولها إلى دول الخليج، فالأمر يعتمد على حجم الاستثمارات التي سوف يتم ضخها في الاقتصاد، ونوعية القطاعات التي سوف يتم الاستثمار فيها. في هذا الخصوص، باستثناء المملكة العربية السعودية والكويت اللتين أعلنت عن استثمارات كبيرة، لا توجد حركة في سائر دول الخليج في هذا الخصوص. ومن دواعي استغرابي أنه على الرغم من قلة الاستثمارات الجديدة في دول الخليج وانخفاض العرض في سوق العمل، لا زال حجم العمالة الوافدة كما هو لم يتغير. حتى بعد الأزمة الاقتصادية، لا نكاد نلحظ تغييراً يذكر.

س4: كيف يمكن إصلاح التعليم في دول الخليج العربية من منظور تنموي شامل ليصبح قاطرة التنمية؟

ج: عندنا مشروع منذ ثلاث سنوات، منذ 2007، لتطوير التعليم ليكون ذا جودة عالية. تمثل المشروع أولاً في وضع هيئة مستقلة لضمان الجودة لمستويات التعليم الأساسي والجامعي والمهني، وهي هيئة ضمان جودة التعليم، والتي تراقب أداء جميع المؤسسات التعليمية والتدريبية. كما تمثل في إنشاء كلية المعلمين لرفع مستوى المعلم اجتماعياً ومادياً، وكلية تقنية (بولوتكنيك)، إلى جانب العمل على تطوير التعليم الأساسي والجامعي والمهني، وبرنامج لتطوير الرياضيات والعلوم واللغة الانجليزية في المدارس. كما شرعت الدولة في إعداد برنامج طموح لتطوير معهد البحرين للتدريب ليتناسب مع كم الوظائف المطلوبة في سوق العمل ونوعها.

وقد تمكنا في مملكة البحرين ومن خلال تنفيذ الإستراتيجية الاقتصادية الوطنية (2009-2014)، التي أقرها مجلس التنمية الاقتصادية ومجلس الوزراء، من التعامل مع معضلة التعليم وسوق العمل، حيث سيتم التنسيق بين جميع الجهات المعنية لتطوير مخرجات التعليم لتكون متلائمة مع احتياجات سوق العمل، الأمر الذي يساعد وزارة العمل على الخروج من هذا الوضع لتكون أكثر قدرة على تنفيذ مهمتها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات