سوق النفط وطبيعة المرحلة الراهنة

  • 8 يونيو 2002
بعد ثلاثة أسابيع فقط من استئناف صادراته النفطية إثر توقف دام شهراً واحداً، عاد العراق مرة أخرى إلى وقف تام لهذه الصادرات اعتباراً من يوم الإثنين الماضي، وهذه المرة بسبب "سياسة تسعير النفط بأثر رجعي التي تتبعها الأمم المتحدة", إذ برر المسؤولون العراقيون وقف التصدير بأن مثل هذه السياسة أدت إلى إبعاد المشترين عن النفط الخام العراقي. وبصرف النظر عن الخلافات الدائرة حول تسعير النفط العراقي، فثمة وجه للغرابة في التطورات الأخيرة يكمن في رد فعل السوق على توقف الإمدادات العراقية مجدداً رغم ما يعنيه ذلك من حرمان السوق من النفط الخام العراقي الذي ارتفعت صادراته بشكل ملموس في الأسبوع الذي سبق قرار وقف التصدير إلى 2.19 مليون برميل يومياً. فمثلما حدث في المرتين السابقتين لتوقف الصادرات العراقية في نوفمبر 2000 وأبريل 2002، تجاهلت الأسواق تماماً هذا النبأ والتفتت إلى عوامل أخرى. فعلى عكس ما هو متوقع أعقب توقف الصادرات العراقية هبوط في أسعار النفط الخام تزايدت حدته الأربعاء الماضي بعد صدور بيانات أظهرت ارتفاعاً في المخزونات من النفط الخام في الولايات المتحدة.

لعل أفضل ما يفسر رد، أو عدم رد، فعل الأسعار للقرار العراقي هو ما اكتسبته سوق النفط العالمية مؤخراً من "مناعة" حيال التأثير الذي تتركه الصادرات العراقية، في توقفها أو استئنافها على الإمدادات وعلى مواقف المتعاملين. فقد تكرر مثل هذا الأمر أكثر من مرة حتى باتت تأثيراته في السوق محدودة للغاية بحيث لم يعد قرار مثل توقف إمدادات تصل إلى أكثر من مليوني برميل يومياً أو استئنافها يترك أثراً كبيراً في التوقعات. فعلى ما يبدو باتت الأسواق تأخذ في حساباتها الصادرات العراقية وهي في حالة اضطراب متواصل.

ثمة أمر آخر يشار إليه كسبب لتجاهل الأسواق للصادرات العراقية يتمثل في كون حالة الاضطراب تلك وتوقف تصدير النفط الخام العراقي من آن لآخر قد دفعا بالشركات المشترية والمصافي إلى التوجه نحو مصادر أخرى بديلة. لكن هبوط الأسعار بدلاً من ارتفاعها يأتي كدليل آخر يؤكد توافر كميات كافية من الإمدادات في الأسواق بحيث تبدد أي حالة من المخاوف، وهو ما ظهر مؤخراً من الاتجاه الهبوطي للأسعار رغم بوادر انتعاش الطلب العالمي.

من هنا تنطوي بعض الدعوات التي تطالب منظمة أوبك بضرورة رفع القيود المفروضة على الإنتاج واستئناف ضخ كميات إضافية من النفط الخام، على قراءة غير دقيقة في أفضل الأحوال للأوضاع الحالية لسوق النفط العالمية. ففي سوق لا تظهر تأثراً يذكر بغياب صادرات النفط العراقية التي تتجاوز 4% من إجمالي الطلب العالمي، مهما كانت أسبابه وآفاقه، فإن ذلك يعني أن الإمدادات العالمية متوافرة ولا تستدعي من الدول المنتجة زيادة في المدى القصير، وذلك يؤكد أن اتجاه "أوبك" نحو الإبقاء على سقف إنتاجها الحالي من دون تغيير، قبل أن ينعكس ما يستدعي هذا التغيير على الأسعار، هو اتجاه يتماشى وطبيعة المرحلة التي تمر فيها سوق النفط العالمية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات