سورية وهوامش دفتر الشروط

بشارة نصار شربل: سورية وهوامش دفتر الشروط

  • 21 ديسمبر 2009

توجت زيارة سعد الحريري لدمشق قبل أن ينتهي العام باثني عشر يوماً بالتمام والكمال سلسلة نجاحات سورية تراكمت في عام 2009 وعكست قدرة استثنائية للسلطات فيها على مواجهة التحديات التي عصفت بالنظام على مدى سنوات، وتحديداً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتشكيل المحكمة الدولية بقرار من مجلس الأمن.

يمكن أن يطلق المؤيدون للزيارة كل الأوصاف الممكنة عليها من نوع أنها زيارة "رئيس حكومة" إلى دولة شقيقة، أو أنها زيارة "المصارحة والمصالحة"، أو زيارة "كسر الجليد" تمهيداً لتطوير العلاقات، لكن الأكيد هو أنها زيارة من نجل رئيس حكومة شهيد إلى الطرف الذي وجه إليه الاتهام السياسي بالاغتيال، ونهاية مرحلة صعبة واستثنائية في العلاقات بين زعيم السنة اللبنانيين والبلد الذي طالما نظرت إليه تلك الطائفة بوصفه أماً حاضنة للبنان.

وإذ يُعزّي أهل "التيار السيادي" المناهض لدمشق في لبنان أنفسهم بالحديث عن استحالة عودة العلاقات اللبنانية-السورية إلى سابق عهدها من تبعية ووصاية، فإن ذلك لا يلغي واقع أن سورية وحلفاءها في لبنان تمكنوا من إفقاد "ثورة الأرز" زخمها، ومن تفكيك جزء من حركة "14 آذار/مارس"، ومن إلغاء مفاعيل الانتخابات النيابية التي جرت في 7 يونيو/تموز 2009، وذلك بفعل سلسلة طويلة من الأحداث وصلت ذروتها في 7 مايو/أيار 2008 حين اجتاح "حزب الله" وحلفاء سورية بيروت بقوة السلاح وفرضوا "اتفاق الدوحة" الذي علّق إلى حد كبير النظام البرلماني الديمقراطي لتحل مكانه صيغة توافقية هجينة يستمر العمل بها عبر "حكومة الائتلاف الوطني" في حين أنها عملياً "حكومة التناقضات الوطنية"، التي صاغت حتى إشعار آخر معادلة "أكثرية لا تحكم وأقلية لا تعطل".

لا يخفى على أي متابع أن شبكة العلاقات التي أقامتها دمشق في العام المنصرم شكلت لها مظلة حماية، وحولتها نقطة توازن في المنطقة، وجددت دورها كحاجة دولية، وخصوصاً غربية، للاستقرار، بعدما صنفها الرئيس السابق جورج بوش في فترة اجتياح العراق وتحريره من صدّام ضمن الدول المعادية للسلام.

ولا شك في أن الاستفادة السورية من الإخفاقات الأمريكية في العراق وأفغانستان وصلت إلى قمتها، ولاسيما مع انفلات العنف في بلاد الرافدين وتصاعد خطر الإرهاب الأصولي، ومع تظهير الخطر النووي الإيراني وتصدر طهران المواجهة مع الولايات المتحدة والغرب، الأمر الذي حوّل دمشق حملاً وديعاً بالمقارنة مع المشكلات التي تثيرها "الجمهورية الإسلامية" في إصرارها على "النووي"، وفي طموحاتها التي تجعل لها أيادي طويلة في أكثر من قارة ودولة.

كانت زيارة الرئيس بشار الأسد لباريس نقطة مهمة وفاصلة في تكريس عودة سورية إلى المجتمع الدولي. لكن الأهم بالتأكيد هو تلك العلاقة المميزة مع تركيا التي قادت هجوماً دبلوماسياً على كل الجبهات كرست نفسها فيه لاعباً محورياً في المنطقة وقوة قادرة ليس على التحدث مع الجميع فحسب، بل على نشر مظلة على من يشاء من دول الجوار شرط السير في براغماتية لم تنقص النظام السوري يوماً من الأيام.

لا تستطيع دمشق إنكار وجود "دفتر شروط" وضعته أوروبا لها بالتنسيق مع إدارة الرئيس الأمريكي الذي قلب صفحة المغامرات العسكرية والتهديدات، وهي من أجل ذلك قدمت "خدمات" في موضوع العراق وصفها مسؤولون في وزارة الخارجية الفرنسية بأنها "ثمينة" ويستحيل على طرف آخر تقديمها إلى الغرب، مثلما تابعت التنسيق الأمني مع الدوائر الغربية فيما يتعلق بملف "الإرهاب". ولم تكن العلاقات الدبلوماسية مع لبنان إلا تحصيلاً حاصلاً تحول هدية قيمة للرئيس نيكولا ساركوزي وجزءاً من نجاح دبلوماسيته في لبنان.

كل ما تقدم في كفة، أما الكفة الأخرى التي وازت كل النجاحات السورية فكانت تكريس المصالحة مع المملكة العربية السعودية بقدوم خادم الحرمين الشريفين إلى عاصمة الأمويين وإعلان أن ما كان من جفاء غيمة عابرة، وأن التعاون بين الرياض ودمشق قدر لا فكاك منه وله مفاعيل تنسحب على لبنان والعراق وفلسطين وسائر الملفات الساخنة في الإقليم.

يسجَّل لدمشق استعادتها كل تلك العلاقات مع قدرتها على الاحتفاظ بحلف استراتيجي مع طهران. فهي لم ترتمِ في أحضان المساعي الهادفة إلى إطلاق مفاوضاتها مع إسرائيل، ولا توقفت عن أن تكون معبراً لسلاح "حزب الله"، ولم تدر ظهرها لأحمدي نجاد، ما يعني أن "دفتر الشروط" شديد المرونة، وأن هوامشه تسمح بالاجتهادات، وهو ما قامت دمشق باستثماره إلى أبعد الحدود لترسي صيغة للتعامل مع المطالب الغربية جوهرها الليونة والثبات والخدمات الثانوية في مقابل المكاسب الأساسية.

يمكن القول إن العام 2009 كان عام الانفكاك النهائي للطوق الذي ضرب على دمشق وانطلق من "حديقتها الخلفية" لبنان. وهي لم تكتف بعدم تقديم "تنازلات" أساسية في الموضوع اللبناني، بل تابعت بواسطة حلفائها "الهجوم المضاد" على قوى "انتفاضة الاستقلال"، التي أخرجت عسكرها من لبنان إثر القرار الدولي الرقم 1559 وجريمة اغتيال الحريري.

إضافة إلى ما سلف ذكره من ضربات تعرضت لها قوى "14 آذار/مارس" سياسياً وميدانياً بفعل قوة سلاح "حزب الله"، فإن دمشق تحاول اليوم أن تختتم هجومها بدفن القرار 1559 باعتبار أن الشق المتعلق بها قد نفذ بانسحاب جيشها من لبنان، أما الشق الآخر المتعلق بتجريد الميليشيات (أي حزب الله) من السلاح فهو "شأن داخلي لبناني". ويبدو أن دمشق تلقى آذاناً صاغية في هذا الشأن من الرئيس اللبناني ميشال سليمان الذي عبّر عن هذا الموقف تماماً لدى لقائه الرئيس الأمريكي في واشنطن منتصف ديسمبر/كانون الأول الحالي، ولا تستطيع حكومة سعد الحريري الزائر دمشق لفتح صفحة جديدة أن تتوافق على عكس هذا الاتجاه، أو أن يبادر رئيسها إلى إبداء الاعتراض بعدما قبل بأن يتضمن برنامج حكومته تشريعاً للمقاومة بالاستمرار بحمل السلاح.

تعلم دمشق أن السلطة الشرعية في لبنان لا تستطيع "تقنياً" إلغاء القرار 1559 أو أي قرار دولي كونه يخص المجتمع الدولي ومجلس الأمن ولا يتخذ أو يبطل بناء على مشيئة الأفرقاء. لكنها تعلم أيضاً أنها تستطيع تعطيل القرار وشلّه وإدخاله غياهب الأدراج إذا لم تكن هناك إرادة سياسية لبنانية في إحيائه ومطالبة المجتمع الدولي بالتمسك به. وربما كانت خطوة دمشق التمهيدية في هذا الإطار مطالبتها الأمين العام للأمم المتحدة بعزل ممثله لتنفيذ القرار 1559، تيري رود لارسن، الذي لا تكن له الود على الإطلاق، ولا ترغب في أن تعتمد تقاريره الدورية مرجعاً، أو أن تسمع بتصريحاته مذكِّراً بوجوب تطبيق القرار.

إنه نجاح لدمشق يلي نجاحاً، ولا شك أن زيارة سعد الحريري لها ستفتح شهيتها على مزيد من "الانتصارات"، وستكون حتماً المحكمة الدولية أبرز الأهداف وآخر الحلقات التي ستحاول دمشق كسرها في العام 2010 إذا لم يطرأ ما ليس في الحسبان.

Share