سقوط بغداد: عوامل فشل العسكرية العراقية

سقوط بغداد: عوامل فشل العسكرية العراقية

  • 10 أبريل 2003

سبّب السقوط المفاجئ والسريع للعاصمة العراقية بغداد في أيدي القوات الأمريكية صدمة للكثيرين، بقدر ما مثّل الصمود غير المتوقع لمدن مثل البصرة والناصرية مفاجأة لآخرين. فقد ساعدت عوامل عدة على إعطاء انطباع بأن معركة بغداد ستطول، أو أن المدينة ستشهد حصاراً كلاسيكياً، ومن ثم حرب شوارع، تدفع خلالها القوات الغازية ثمناً فادحاً قبل تحقيق أهدافها. والواقع أن أياً من هذه التصورات لم يحدث، إذ بدا أن معظم التحليلات التي عززت هذه التصورات اعتمدت على تفكير عاطفي حركّه التمني، كما ظهر دور كبير لبعض الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى، تضافر مع عوامل بنيوية وسمات تاريخية في العقلية العربية، في خلق وترويج قناعات عززت الأفكار الخاصة بالصمود وإطالة أمد الحرب، وربما دحر القوات الغازية وطردها.

إن الحديث عن مفاجأة السقوط السريع لبغداد لا يقتصر على عامة الناس أو رجل الشارع العادي، كما لا يتعلق بدولة بعينها أو إقليم معين، لكنه يمتد ليشمل قطاعات عدة في المجتمعات العربية، كما لا يستثنى بعض النخب في تلك المجتمعات.

ورغم أن هذا التحليل ليس بصدد البحث في العوامل التي خلّفت مثل هذا الموقف، ومن ثم هذه المفاجأة/الصدمة، فإن تجاهل السياق الذي أنتج قناعات، تجاوزت رجل الشارع العادي إلى بعض قطاعات النخبة، من نوع "حتمية الانتصار العسكري العراقي"، أو "الصمود الكبير الذي سيجعل من العراق ستالينجراد أخرى أو فيتنام على الأقل"، ليس عملاً صحيحاً، خاصة وأن مثل تلك القناعات كثيراً ما أغرت الشارع، وأغرى بها الشارع، فكانت النتيجة هزائم وانكسارات.

إن إدعاء الحكمة بأثر رجعي أمر ميسور ومغرٍ في آن، لكن القراءة الواعية للأحداث بهدف الإفادة من الأخطاء وتداركها واجب لا بد من أدائه، خاصة إن حدث ذلك من خلال محاولة قراءة الماضي القريب بمعطيات الحاضر ونتائج أحداثه وتطوراتها.

فمن المعروف أن الجيوش تحارب من خلال منظومة ثلاثية العناصر؛ هي: أولاً: الروح المعنوية والعقيدة القتالية والثقة بالقيادة؛ ثانياً: التسليح المتقدم القادر، في الحد الأدنى، على مواجهة التحديات التي يفرضها تسليح العدو، ثالثاً: القيادة المحترفة المتخصصة التي يمكنها قيادة الجيش إلى النصر، أو على الأقل إلى الأداء المشرف.

والواقع أن الجيش العراقي لم يمتلك أياً من عناصر تلك المنظومة، وفيما اعتمد الجيشان الأمريكي والبريطاني على جيل جديد من الأسلحة الذكية، وخطة متكاملة أمنت تنسيقاً وعمقاً لوجستياً واستراتيجية واضحة للعمليات المتزامنة المنسقة، وعلى قوة نيران هائلة وسلاح جو متقدم يعمل بحرية في سماء مكشوفة دون أي طيران معادٍ أو مقاومات ذات اعتبار، فإن الجيش العراقي اختار استراتيجية وصفها خبراء بأنها "عجيبة وغير معروفة في مدارس الحرب التقليدية".

لقد اختار الجيش العراقي أن يتقوقع حول المدن وينسحب من الحدود ويترك المجال للقوات الغازية لاحتلال السواد الأعظم من بلاده دون مقامة، بما في ذلك المطارات والموانئ التي تسهل عمل الغزاة وتحل مشاكلهم اللوجستية. كما اختار الجيش الاختلاط مع المدنيين لتحاشي الضربات الجوية، فيما امتنع تماماً عن استخدام سلاحه الجوي، وخصوصاً المروحيات الهجومية التي كان يمكن استخدامها في مهاجمة طوابير المدرعات المصطفة على محاور التقدم في الصحراء المكشوفة.

إضافة إلى هذا فقد أدارت القيادة العراقية معظم العمليات في ظل غياب كامل للمعلومات الاستخباراتية الميدانية، كما كان هناك غياب كامل أيضاً للتنسيق، لم يحد من أثره استباق القيادة الحرب بتقسيم البلاد إلى أربع مناطق عسكرية، بقيادات منفصلة ذات حرية حركة غير محدودة، للتخلص من مشكلات المركزية واحتمالات قطع الاتصالات.

كان الهدف العراقي يتلخص ببساطة في "امتصاص الضربة الأولى وسحب القوات الغازية إلى حرب مدن"، اعتماداً على معطيات ثبت خطؤها وقصورها التام، فيما كان الهدف الأمريكي واضحاً، ومتكافئاً مع إمكانيات تنفيذه على الأرض، ما أثمر نجاحاً واضحاً.

ورغم الصور المهينة التي تدفقت مع السقوط السريع لبغداد في غياب الجيش وفرقه النخبوية، فإنه لا يصح تحميل العسكرية العراقية مسؤولية الفشل أو السقوط في هذا المحك كاملة، ، كما لا يصح الحكم على العسكرية العربية بالفشل المتكرر وانتفاء الجدوى نتيجة انهزامها، أو عدم تحقق أهدافها الاستراتيجية كاملة، في معظم الحروب التي خاضتها منذ أكثر من قرن، بالنظر إلى أن تلك الجيوش، بما فيها الجيش العراقي في معركته الأخيرة، لم تتوافر لها عوامل القتال الضرورية لاختبار ولائها الوطني أو قدراتها القتالية. على أنه من الضروري التوقف بالبحث والدرس عند أسباب هذا السقوط المتكرر، ومراجعة تكوين الجيوش العربية وأدائها المهني، والتأثير السياسي في صياغتها وآليات عملها، ودور الاحتراف والتخصص في قيادتها.

Share