سقف إيراني للتقارب السوري- السعودي

  • 14 أكتوبر 2010

يشهد التقارب السعودي- السوري امتحانين في لبنان والعراق. ولم يعد المسؤولون السعوديون يخفون، بعيداً عن الإعلام، مشاعر الاستياء من خيارات اتخذتها دمشق في هذين الملفين وتلقتها الرياض باستهجان وحيرة.

وفيما لا تزال الأزمة المتجددة ماضية في التفاعل في لبنان، استنتج السعوديون أن السوريين لم يصارحوهم بحقيقة مواقفهم، لذا فهم يتفاجؤون بين مرحلة وأخرى بخطوات سورية لا تعزز "التهدئة" المتفق عليها. أما في العراق فيرى السعوديون أن دمشق كانت أكثر وضوحاً في تعاونها؛ نظراً إلى تطابق الأهداف، وأهمها إبعاد نوري المالكي من رئاسة الوزراء، إلا أن السوريين حسموا موقفهم أخيراً، وارتضوا الاتفاق الأمريكي- الإيراني الضمني على إبعاد المالكي من منصبه، مع ما يعنيه ذلك من تجريد ائتلاف "القائمة العراقية" بزعامة إياد علاوي من أي دعم إقليمي.

في الأساس بدأ التقارب السعودي- السوري مع الخطاب الذي ألقاه الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال القمة الاقتصادية في الكويت في كانون الثاني/ يناير 2009، داعياً إلى نبذ الخلافات ومعلناً مد يده للمصالحة، وكان مفهوماً أنه يعني سورية. فوجئ الوفد المصري برئاسة الرئيس حسني مبارك بهذا الموقف؛ إذ كان يعلم بأن العاهل السعودي يعتزم القيام بخطوة، لكنه كان يجهل تفاصيلها، خصوصاً أنها جاءت غداة انقسام عربي حاد حول كيفية التعامل مع حرب غزة أواخر 2008 أوائل 2009. والواقع أن الملك عبدالله أراد تجاوز ذلك الانقسام، لكنه شاء أيضاً تصفية الخلاف الذي نشأ مع الرئيس بشار الأسد بسبب اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، حليف السعودية. وبعد مصافحات ولقاءات مختصرة على هامش قمة الكويت، حاولت الرياض لاحقاً تعميق هذا التقارب وتفعيله، مركزة خصوصاً على إجراء مصالحة مصرية- سورية، لكن الرئيس مبارك لم يتجاوب مع هذا المسعى، معتبراً أن الرئيس الأسد منخرط في علاقة تحالفية معقدة مع إيران، ولا يبدو مستعداً أو راغباً في العودة إلى العمل العربي التقليدي ضمن المثلث المصري- السعودي- السوري.

عندئذ رأت السعودية أن تواصل المصالحة المستعادة مع سورية، وتفهمت وجهة النظر المصرية بعدما وجدت أن الرئيس السوري لا يدافع فحسب عن خياره الإيراني بل يدعوها للانضمام إليه، ولم يكن ذلك وارداً لديها. ونظراً إلى أن لإيران دوراً في لبنان، فقد اعتبرت السعودية أن أفضل وسيلة لحماية حلفائها اللبنانيين هي في تفاهم صلب مع سورية، باعتبار أن لها نفوذها أيضاً على حلفاء إيران اللبنانيين. وتزامن هذا التقارب مع حوار حيوي بدأته الولايات المتحدة وفرنسا مع دمشق لأهداف متنوعة أبرزها حماية الاستقرار في لبنان وتخفيف التوتر في العراق وإقناع سورية بالشروع في التمايز عن إيران تمهيداً لفك التحالف معها مقابل رزمة من الحوافز أهمها: إحياء المفاوضات مع إسرائيل وصولاً إلى اتفاق سلام، وأخذ مصالح سورية الإقليمية في الاعتبار لكن في الإطار العربي لا في إطار تحالفها مع إيران.

ساهم التقارب السعودي- السوري في إشاعة انفراج نسبي في لبنان، وأُجريت انتخابات هادئة في حزيران/ يونيو 2009، لكنه عاد فاصطدم بالنفوذ الإيراني الذي أعاق تشكيل حكومة جديدة برئاسة سعد الحريري لما يقرب من ستة شهور. ومنذ انفجار أزمة الاتهامات المحتملة لعناصر من "حزب الله" بالمشاركة في عملية اغتيال رفيق الحريري، دخل هذا التقارب في تجربة قاسية تندد بفتنة مذهبية، سنية- شيعية، لكنها تهدد أيضاً مجمل النفوذ السياسي السعودي في لبنان.

في آب/ أغسطس 2009، قام رئيس الوزراء العراقي بزيارة إلى دمشق بقصد مد الجسور مع شيوخ العشائر السنية العراقيين المقيمين فيها. كان المالكي بدأ يخطط لمعركته الانتخابية وللبقاء في المنصب، لكنه عاد من دمشق بمشاعر يغلب عليها عدم الاطمئنان. بعد يومين، تحديداً في 18 أغسطس، حصلت تفجيرات ضخمة في حي الوزارات وسقط مئات بين قتلى وجرحى، وما كان من المالكي إلا أن اتهم عناصر بعثية تعيش في العاصمة السورية بتدبير هذه الكارثة. ثم صعد اتهاماته لدمشق، وسعى إلى حث مجلس الأمن الدولي على إدانتها، بل طالب بلجنة تحقيق دولية، مستوحياً التجربة اللبنانية على خلفية اتهام سورية بأنها وراء اغتيال الحريري. وقبل ذلك بادر المالكي إلى سحب السفير العراقي من دمشق، لكنه اضطر لوقف التصعيد تحت إلحاح إيران وبسبب ما لمسه من برود أمريكي حيال حملته على سورية.

وهكذا نشأ عداء اتخذ طابعاً شخصياً بين المالكي والنظام السوري، ليضاف إلى عداء آخر مكتوم بينه وبين السعودية التي لم تدعه لزيارتها، ولم تكن تثق به تحديداً بسبب إساءته معاملة سنة العشائر العراقية التي تحظى برعاية سعودية. وعندما بدأت المعركة الانتخابية في العراق أوائل 2010، تقاطعت الأهداف السورية والسعودية على ضرورة إبدال المالكي ودعم علاوي لخلافته. وكان الأخير، وهو شيعي أقرب إلى الخط القومي، دخل في مفاوضات أسفرت عن إقامة ائتلاف ضم القوى البارزة في الساحة السنية، وحظي عملياً بدعم سعودي وسوري أمن له تمويلاً وافراً لحملته وسنداً سياسياً لإعلان برنامج غير مستند إلى الخلفية الطائفية والمذهبية.

وعلى الرغم من أن لعلاوي علاقاته الأمريكية القوية، فإنه فوجئ بأن واشنطن بادرت إلى مطالبته بالتحاور مع المالكي والتعاون معه لبلورة حكومة تضم مختلف التيارات السياسية. وبالفعل دخل في تفاوض طويل مع رئيس الوزراء المنتهية ولايته، لكنه فشل في إقناعه بأمرين: أولاً، التسليم بأن الكتلة الفائزة بأكبر عدد من النواب هي التي يعطيها الدستور حق تشكيل الحكومة. وثانياً، أن يتخلى عن رئاسة الوزراء على أن يُعطى ائتلافه امتيازات في الحكومة. في موازاة ذلك، دعمت سورية والسعودية وجهة نظر علاوي، وحاولتا إزالة بعض العقبات في طريقه. وبعد مناورات طويلة، اضطر علاوي إلى إعلان أن الولايات المتحدة تدعم رئيساً للوزراء ترضى عنه إيران، وأن المالكي هو خيارهما. وما لبثت سورية، بعد تردد، أن استجابت لرئاسة المالكي وصالحته، لأنها وجدت لنفسها مصلحة في مجاراة التفاهم الضمني بين أمريكا وإيران؛ لتكون جزءاً من الصفقة المرجحة في عراق السنوات المقبلة. ومع ذلك واصلت دمشق مغازلة خيار "المرشح الثالث"، أي عادل عبد المهدي، أو أي شخصية أخرى. لكن إيران حسمت الأمر لمصلحة المالكي وأجبرت حلفاءها على تأييده. وعندما زار الأسد طهران تأكد أن الخيار قد حسم، فإيران استهدفت خصوصاً أن تبقي ركيزة الحكم العراقي في أيدي الشيعة العقائديين من "حزب الدعوة". وبذلك سقط الخيار العربي القومي الذي تفاهم عليه السعوديون والسوريون، وبقي تفاهمهم بخصوص لبنان، لكنه موضوع على محك صعب.

في أي حال لم يكن للتقارب السعودي- السوري سوى أهداف موضوعية محددة يمكن تحقيقها، نظراً إلى أنه لم يرق إلى حال التحالف التي تربط سورية بإيران. فالسعودية لا تستطيع أن تضغط لتطبيع كامل للعلاقة الأمريكية- السورية طالما أن سورية تعمل في اتجاه معاكس للاستراتيجية الأمريكية، وإذا كانت دمشق تسعى لاستعادة نفوذها ودورها في لبنان فإن ذلك لا يتم بالتفاوض مع الرياض بل يخضع لتوافق عربي ودولي. في المقابل، هناك نفوذ للسعودية مركز في الوسط السني، وربما اعتقد السعوديون أن بالإمكان الاعتماد على سورية لتدعيم نفوذهم أو لتقوية نفوذهم المشترك، لكنهم أدركوا أن سورية وإيران متفقتان على توزيع للأدوار في العراق، وبالتالي فإن النفوذ السوري هناك محكوم بمساحة التحرك التي يتركها النفوذ الإيراني.

Share