"ســراب" الإسلام السياسي

  • 22 فبراير 2015

لم يعد هناك مجال للشك أو الجدل، في ضوء تجربة السنوات الأخيرة، في أن جماعات الإسلام السياسي، تمثل أكبر معوّق لانطلاق كثير من المجتمعات العربية والإسلامية نحو التقدم والتطور، وأخطر تهديد لأمنها واستقرارها وتعايش أبنائها، ومصدراً لتشويه الدين الإسلامي الحنيف والإضرار بصورة المسلمين في العالم كله، ولذلك فإن مواجهتها بشجاعة وتفنيد دعاواها وإثبات تهافت أطروحاتها من خلال منهج علمي رصين، هي مسؤولية دينية ووطنية وتاريخية تقع على عاتق الباحثين والمتخصصين والمفكرين المخلصين والغيورين على دينهم والمهمومين بقضية التقدم في دولهم.

وفي هذا السياق صدر كتاب "السراب" لمؤلفه الدكتور جمال سند السويدي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، مُطلقاً شرارة "الحرب الفكرية" ضد القوى الدينية الظلامية التي تدّعي الحديث باسم الإسلام، وهو منها بريء، وتخلط الدين بالسياسة فتضر بالاثنين معاً، وتشيع أجواء الاحتقان الديني والطائفي بين شعوب منطقتنا، وتتغذى على خداع البسطاء عبر شعارات زائفة لم تقدم لهم سوى الوهم والدمار والدم.

وعلى الرغم من تعدد الكتابات حول ظاهرة الإسلام السياسي، فإن ما يميز كتاب "السراب"، هو شمولية الطرح، حيث يتناول هذه الظاهرة من زواياها العقائدية والسياسية والثقافية والاجتماعية وغيرها، والتساؤلات الشجاعة التي يطرحها ويعمل على الإجابة العلمية الدقيقة عنها، وعدم اكتفائه بالجوانب النظرية فقط وإنما لجوء مؤلفه إلى تعرُّف توجهات الرأي العام حول الجماعات الدينية السياسية من خلال دراسة ميدانية لعينة من السكان في دولة الإمارات العربية المتحدة، من مواطنين ومقيمين، ما يُكسب الكتاب المزيد من العمق، ويضفي على النتائج التي توصل إليها مصداقية علمية كبيرة.

إن من أهم ما يقدمه كتاب "السراب" أنه يجرد الجماعات الدينية السياسية من "القدسية" التي تحاول أن تضفيها على نفسها، ويكشف زيف شعاراتها وبُعدها عن صحيح الدين، ويعرّي أهدافها الحقيقية وفساد أفكارها وحقيقة مواقفها التي تحاول إخفاءها أو تمييعها، خاصة فيما يتعلق بممارسة العنف أو تبريره والتشجيع عليه.

لقد دأبت قوى الإسلام السياسي على ممارسة الإرهاب الفكري ضد كل من يحاول انتقادها أو إخضاعها للدراسة العلمية عبر اتهامه بأنه ضد الدين، بل وتكفيره وإخراجه من الملة في بعض الأحيان، لكن كتاب "السراب"، يتصدى بشجاعة فكرية، نحن أحوج ما نكون إليها في ظل ما تشهده منطقتنا من مخاطر وتحديات، لهذا الإرهاب، ويثبت أن هذه الجماعات ذاتها هي أكبر خطر على الإسلام من كل أعدائه والمتربصين به، لأنها تقدمه في صورة الدين المضاد للتقدم والحداثة والمؤيد للعنف والتطرف، على الرغم من أنه دين العلم والفكر والعقل والحوار والتسامح، وأن كل غيور على الدين الحنيف يجب أن يتصدى من دون إبطاء لهذه الجماعات الدموية المنحرفة.

إن الرسالة الأساسية التي يوجهها الدكتور جمال سند السويدي من خلال كتابه الجديد "السراب" إلى المفكرين ورجال الدين وقادة الرأي والباحثين، هي أن الوقت قد حان لمواجهة فكرية حقيقية وحاسمة مع جماعات الإسلام السياسي؛ لأن ثمن أي تأخير أو تراخٍ سوف يكون فادحاً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات