"سجناء الماضي" ومستقبل العراق

  • 28 مايو 2003

آخر ما يتمناه المرء أن يطالع تقارير صحيفة تتحدث عن "اصطفاف" من يصفهم كاتبو هذه التقارير بـ "اللصوص" في طوابير لسرقة مشتقات النفط العراقي من خطوط الأنابيب الصدئة التي تمر عبر الصحراء، قد يكون صحيحا -كما يقال- أن الدافع الأساسي هو بيع المسروقات لشراء احتياجات إنسانية ضرورية وملّحة، وصحيح أيضا أن أعمال النهب والسرقة منذ سقوط النظام البائد قد استهدفت كل شيء في العراق بداية من تاريخه وتراثه العريق وانتهاء بالأثاث والمنقولات مرورا بكل ما يصلح للبيع وجني الأرباح التي تبدأ أيضا من دنانير معدودات وتنتهي بملايين لا تحصى، فضلا عما يفوق الملايين وما لايقدر بثمن وقيم مادية من كنوز حضارية وتراثية، ولكن العراق يحتاج في هذه المرحلة الحرجة إلى جهود أبنائه المخلصين وإلى فهم ظروف وطبيعة المرحلة التي يمر بها على الصعد كافة.

والمؤكد أن تحديات البحث عن الأمن والاستقرار ليست قليلة ولا هيّنة في ظل التقارير عن استمرار انتشار الفوضى وغياب القانون والأمن الاجتماعي، أضف إلى ذلك أن فراغ السلطة قد أفرز إرهاصات ومؤشرات عدة تعكس حجم الصعوبات التي تواجه بناء عراق تعددي يتسع لجميع أبنائه. وإذا كان البعض يبرر انتشار السرقات وأعمال النهب بسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فإن "ثمار" الحرية لابد من أن تنضج وتتجاوز إطارها السياسي الضيق لتطال إحداث تحولات جذرية في الأوضاع المعيشية للبسطاء من الشعب العراقي. بعد انهيار نظام صدام حسين، انتهى أيضا عهد العقوبات الدولية التي فرضت على العراق طيلة أكثر من عقد ، ما يعني أن العراقيين باتوا في مواجهة لحظة الحقيقة، فهم أمام تحدي إعادة البناء والإعمار لبلد دمرته سنوات طوال من حروب خاضها النظام السابق، كما أتت قيادات هذا النظام ورموزه على البقية الباقية بسبب سياسات القمع والدمار التي انتهجتها، والتي تتكشف بعض جوانبها يوما بعد يوم من خلال المقابر الجماعية التي أصبحت مجالا شائقا للكشف والتنقيب كي تبقى ماثلة في الذاكرة تجسد للتاريخ ملامح مرحلة ظلامية على أرض طالما أنبتت رموزاً للفكر ومشاعل الحضارة والتنوير.

هناك مسؤوليات جسام تقع على كاهل الساسة العراقيين، ومن بين هذه المسؤوليات يبرز دورهم كقادة رأي وصنع قرار لمرحلة من أحرج مراحل التاريخ العراقي المعاصر، في وأد الممارسات السلبية التي تضر بالعراق وتسيء إلى مقدراته، فقد ظل العراق دوما يضم أديانا وإثنيات ومذاهب تتقارب حينا وتتنافر أحيانا أخرى، ولكنها لم تصل في أي مرحلة تاريخية إلى حد إلغاء الآخر أو الصراع معه. والمأمول ألا تقف النخب السياسية والثقافية العراقية عند حد النقاشات حول القضايا السياسية، فهذه القضايا مع تعاظم أهميتها في المرحلتين الراهنة والمقبلة، ليست سوى أحد جوانب الصورة التي تتضمن زوايا أخرى، والمطلوب هو ألا يقف الجهد عند حد "السياسي" دون "الأمني" و"الاجتماعي" و"الاقتصادي" فالأمم تنهض بساستها ومثقفيها ومفكريها، والعراق يحتاج إلى تضافر الجهود كي يتخلص من إرث عهد بائد وسجناء ماضٍ طويت صفحته، والعراق أيضا على موعد مع المستقبل شريطة أن تصفو النوايا وتشحذ الهمم وتختفي صور "طوابير اللصوص" التي تشكل ظاهرة سلبية يأمل الجميع في اختفائها.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات